كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” عن أزمة حادة وغير مسبوقة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، في تطور يهدد أحد أهم التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وسط تباينات متزايدة بشأن ملفات إيران وأمن المنطقة.
وبحسب التقرير، لعبت السعودية دورًا حاسمًا في دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إلغاء عملية "مشروع الحرية" بعد 48 ساعة فقط من إطلاقها، خشية انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة، رغم سلسلة من الاتصالات المكثفة بين مسؤولي البيت الأبيض وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وكان ترامب أعلن في أوائل مايو 2026 إطلاق عملية "مشروع الحرية" بهدف تأمين السفن التجارية العالقة في مضيق هرمز، عقب الحصار البحري الذي فرضته إيران في بداية الحرب. لكن العملية توقفت سريعًا، حيث برر ترامب القرار بوجود "تقدم كبير" نحو اتفاق مع إيران.
غير أن تقرير “نيويورك تايمز” كشف أن السبب الحقيقي وراء تعليق العملية يعود إلى تصاعد الخلافات مع الرياض، بعد رفض السعودية السماح للقوات الأمريكية باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ المهمة.
وأشارت الصحيفة إلى أن القرار السعودي فاجأ القيادة المركزية الأمريكية، كما أربك الإدارة الأمريكية التي لم تُشرك الرياض مسبقًا في التخطيط للعملية.
وأدى ذلك إلى اتصالات مكثفة ومشحونة بين واشنطن والرياض، حيث أجرى ترامب ثلاث مكالمات مع ولي العهد السعودي خلال الأيام الأولى من الأزمة. كما دخل نائب الرئيس جيه دي فانس، إلى جانب مبعوثي الرئيس ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، على خط الاتصالات في محاولة لاحتواء الخلاف.
ورغم الضغوط الأمريكية، تمسك ولي العهد السعودي بموقفه الرافض لعملية مرافقة السفن، معبرًا عن مخاوفه من أن تؤدي الخطوة إلى إشعال حرب إقليمية جديدة، ما دفع الإدارة الأمريكية في النهاية إلى التراجع عن العملية.
وترى الصحيفة أن الخلاف بين الطرفين يعكس تحولًا أعمق في الرؤية الاستراتيجية بين واشنطن والرياض عقب الحرب الأخيرة، خصوصًا فيما يتعلق بإيران وإسرائيل وآليات إدارة التوترات الإقليمية.
وبحسب التقرير، تسعى السعودية إلى صياغة نهج أكثر استقلالية، عبر تعزيز علاقاتها مع باكستان والصين، إلى جانب تكثيف اتصالاتها المباشرة مع إيران بشأن أمن مضيق هرمز وبرامج الصواريخ ودعم طهران للميليشيات الإقليمية.
وفي حين تضع إسرائيل الملف النووي الإيراني على رأس أولوياتها، ترى الرياض أن التهديد الأكثر إلحاحًا يتمثل في القدرات الصاروخية الإيرانية ونفوذ طهران الإقليمي.
كما ساهمت التوترات الشخصية في تعميق الفجوة بين الطرفين، خصوصًا بعد التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها ترامب بحق ولي العهد السعودي خلال منتدى استثماري في ميامي خلال مارس الماضي.
ومن المؤشرات اللافتة على اتساع الهوة بين الجانبين، تجاهل وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو السعودية خلال جولته الخليجية الأخيرة، في خطوة اعتُبرت إشارة واضحة إلى حجم التوتر القائم.
وعلى الأرض، انعكست السياسة السعودية الجديدة خلال الحرب الأخيرة. ففي مايو، أفادت تقارير بأن الرياض ردت عسكريًا على هجمات إيرانية استهدفت منشآتها النفطية، لكنها سارعت لاحقًا إلى فتح قنوات اتصال مباشرة مع طهران، بالتزامن مع جهود دبلوماسية مكثفة لاحتواء التصعيد.
وأسفرت تلك الاتصالات عن تفاهمات غير معلنة أسهمت في خفض التوتر، قبل نحو أسبوع من اتفاق واشنطن وطهران على وقف إطلاق النار في 7 أبريل.
وفي موقف يعكس نهجها الحذر، رحبت السعودية رسميًا بمذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث أكد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء الصراع وفتح الباب أمام معالجة الملفات العالقة.
ورغم ذلك، لا يزال الموقف السعودي تجاه التطورات المقبلة في المنطقة محاطًا بالغموض، في ظل تصاعد الشكوك المتبادلة بين واشنطن والرياض.
ويبدو أن العلاقة الاستراتيجية بين البلدين تواجه اختبارًا غير مسبوق، قد يعيد رسم موازين التحالفات في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.
من جانبها، علقت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي على التقرير بالتأكيد أن ترامب يحتفظ بعلاقة ممتازة مع السعودية، لكنها لم تنف وجود تباينات في المواقف، مشددة على أن الرئيس الأمريكي يتخذ قراراته وفق ما يخدم المصالح الأمريكية والأمن القومي.


