مع تعرض أوروبا لموجة الحر الخامسة هذا العام، اختفت تقريبًا الفترة التقليدية الممتدة بين الساعة 6 و7 مساءً، التي كان يقضيها الناس في الخارج، بعدما أصبحوا يبحثون عن الأماكن المكيفة في الداخل، ما أدى إلى تراجع المبيعات لدى العديد من شركات الضيافة والمطاعم والمقاهي.
ويزيد الضغط على هذه الشركات أن درجات الحرارة الشديدة غالبًا ما تقع خارج نطاق تغطية التأمين التقليدي لانقطاع الأعمال، ما يكشف عن فجوة متنامية في الحماية التأمينية للشركات في أنحاء أوروبا.
ونشرت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني تقديرات تشير إلى أن موجات الحر التي شهدتها أوروبا الصيف الماضي كلفت الاقتصاد 43 مليار يورو من الناتج الاقتصادي المفقود، في حين لم تولد سوى نحو 500 مليون يورو من تعويضات التأمين.
وتتسبب موجات الحر في أضرار متزايدة للاقتصاد الأوروبي، إذ تقلل الإنتاجية، وتحد من إنفاق المستهلكين، وترفع تكاليف التشغيل، وبالنسبة لشركات التأمين، قد يكون من الصعب تغطية هذه الخسائر لأنها غالبًا ما تنتج عن اضطرابات تشغيلية غير مباشرة، وليس عن أضرار مادية تلحق بالممتلكات.
وقالت سفينيا سورمينسكي، العضو المنتدب لشؤون المناخ والاستدامة في شركة "مارش": «الحرارة في حد ذاتها ليست خطرًا يخضع للتأمين تقليديًا»، مضيفة: «نادرًا ما تتسبب الحرارة الشديدة في أضرار مادية كارثية بالطريقة نفسها التي تحدث بها الفيضانات أو العواصف، لكن الاضطراب المالي والتشغيلي الذي تسببه يمكن أن يكون بنفس القدر من الشدة».
وأظهر مسح أُجري في عام 2023 وشمل 9 آلاف شركة صغيرة ومتوسطة لصالح هيئة التأمين الأوروبية، أن 28% من الشركات لديها تغطية للتأمين ضد انقطاع الأعمال ضمن تأمين الممتلكات، بينما تمتلك 17% حماية من انقطاع الأعمال غير المرتبط بالأضرار المادية، والتي تغطي أحداثًا مثل الإضرابات.
وتتسع فجوة الحماية التأمينية مع ارتفاع التكاليف الاقتصادية الناجمة عن الحرارة الشديدة، كما تتأخر القطارات، وتنخفض المحاصيل الزراعية، وترتفع تكاليف تبريد المصانع، بينما يواجه العمال صعوبة متزايدة في الحفاظ على مستويات الإنتاجية خلال فترات طويلة من درجات الحرارة الشديدة.
وشملت الشركات التي أشارت إلى تأثرها بالطقس الحار، أو حذرت من تأثيره المحتمل مستقبلًا، عند إعلان نتائج الربع الثاني، شركة "إيتاب جروب" السويدية المتخصصة في تجهيز المتاجر، وشركة "بوزي" الإيطالية لإنتاج الأسمنت، وشركة "وورلدلاين" الفرنسية للمدفوعات.
وغالبًا ما تعمل الحرارة كخطر متفاقم، إذ تتفاعل مع الجفاف وحرائق الغابات ونقص المياه بدلًا من التسبب في حدث خسارة واحد يمكن تحديده بوضوح، ويجعل ذلك نمذجتها والتأمين ضدها أكثر صعوبة مقارنة ببعض الكوارث الطبيعية الأخرى.
ويزداد التحدي حدة في أوروبا، القارة الأسرع ارتفاعًا في درجات حرارتها، وأظهرت بيانات حديثة أن متوسط درجات الحرارة في أنحاء أوروبا الغربية كان أعلى بنحو 10 درجات مئوية من متوسط الفترة بين عامي 1961 و1990 في 11 أغسطس.
وأظهرت بيانات جمعتها منصة "سي دي بي" للإفصاح البيئي أن 35% من الشركات التي تتابعها حددت موجات الحر باعتبارها أحد محركات المخاطر، وكانت الشركات العاملة في قطاعات التصنيع والخدمات والبنية التحتية والقطاعات المرتبطة بالغذاء في مقدمة هذه الشركات.
ورغم أن التأمين قد يغطي بعض الخسائر المادية المرتبطة بأحداث مثل انقطاع الكهرباء، فإن الشركات غالبًا ما تقول إن التعويضات لا تفعل الكثير لتعويض خسائر المبيعات وتراجع نشاط العملاء.
وقالت لوني: «الخسارة الحقيقية هي الإيرادات التي لا تحققها والنشاط التجاري الذي لا يحدث أصلًا بسبب انقطاع الخدمة».
ولسد هذه الفجوة، تتجه شركات التأمين بشكل متزايد إلى دراسة منتجات تأمينية تعتمد على مؤشرات محددة، وتدفع التعويضات تلقائيًا عندما تتجاوز درجات الحرارة حدودًا محددة مسبقًا، وعلى خلاف التأمين التقليدي القائم على التعويض عن الخسائر، لا تتطلب هذه الوثائق عملية طويلة لتقييم حجم الخسارة.
ومن المتوقع أن يصل سوق التأمين القائم على المؤشرات في أوروبا إلى 7.93 مليار دولار بحلول عام 2031، وفقًا لتقرير صادر عن شركة "كي بي في" للأبحاث، مع نمو سنوي مركب قدره 9.5% بين عامي 2025 و2032.
وتُستخدم هذه الوثائق بالفعل في قطاع الزراعة، حيث يمكن للحرارة أن تقلل إنتاجية المحاصيل أو الثروة الحيوانية، فيما يرى خبراء القطاع مجالًا للتوسع في استخدامها بقطاعات تشمل النقل وحماية القوى العاملة.
وقال أيدان كير، رئيس حلول القطاع العام في المملكة المتحدة وأيرلندا لدى شركة "سويس ري": «يمكن للتأمين القائم على المؤشرات أن يؤدي دورًا فعليًا».
ومع ذلك، ستحتاج العديد من الشركات إلى التركيز بشكل أساسي على تكييف عملياتها لمواجهة فترات الحرارة الشديدة الأكثر تكرارًا، من خلال إجراءات تشمل الاستثمار في تقنيات التبريد، وإعادة تصميم أماكن العمل، واختبار قدرة سلاسل الإمداد على تحمل الضغوط، بحسب سورمينسكي من شركة مارش.