قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إنه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ فقال: يا رسول الله، دلَّني على عملٍ إذا عملتُه أحبَّني الله وأحبَّني الناس.
الزهد في الدنيا
واستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله ﷺ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ».
يجمع هذا الحديث طريقين عظيمين: طريق محبة الله، وطريق محبة الناس.
فأما محبة الله، فطريقها أن تزهد في الدنيا. وليس معنى الزهد أن تترك الدنيا، أو ألَّا تملك منها شيئًا، وإنما الزهد أن تكون الدنيا في يدك، ولا تدخل قلبك.
وقد كان من دعاء الصالحين: «اللهم اجعل الدنيا في أيدينا، ولا تجعلها في قلوبنا».
وهذه هي قمة الزهد: أن تكون الدنيا بين يديك، ثم لا تستولي على قلبك؛ فلا تفرح بالموجود فرحَ مَن تعلَّق به، ولا تحزن على المفقود حزنَ مَن ضاعت حياته بفقده.
تنظر إلى الدنيا على أنها أداة سخَّرها الله لك؛ فإن دامت لك شكرت، وأدَّيت ما عليك من الحقوق، وأنفقتها في وجوه الخير والحق، وفي الصدقات ومعونة الناس.
وإن ذهبت عنك لم يذهب معها قلبك، ولم يتزعزع يقينك بالله.
وأما محبة الناس، فطريقها أن تزهد فيما في أيديهم؛ فلا تنظر إلى ما يملكون، ولا تتشوَّف إليه، ولا تعلِّق قلبك بما عندهم، ولا تجعل حاجتك إليهم.
وقد كان أهل الله يقولون: «نحن كالملوك؛ لا نطلب ولا نرفض».
فلا يطلبون ما في أيدي الناس، وإذا جاءهم الخير من غير سؤال لم يردُّوه تكبُّرًا.
وقد أرشد النبي ﷺ إلى التعلُّق بالله وحده، فقال: «وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ».
فالإنسان إذا استغنى بالله عمَّا في أيدي الناس، أحبَّه الناس؛ لأنه لا يطمع في أموالهم، ولا ينازعهم ما عندهم، ولا يحمِّلهم حاجاته.
فالزهد ليس فقر اليد، وإنما غنى القلب؛ أن تملك الدنيا ولا تملكك، وأن ترى ما عند الله خيرًا وأبقى مما في أيدي الناس.
«ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ».

