قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. هاني عمر الناظر يكتب: الأوكتاجون .. صرح عملاق وأهداف أكبر

د. هاني عمر الناظر
د. هاني عمر الناظر

يبدو أن شهر يوليو أصبح "تميمة الحظ والسعادة" لمصر والمصريين ، ففيه قامت ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 التى أسقطت الملكية، وقادت مصر إلى عهد الجمهورية الأولى ، ثم كان بيان الثالث من يوليو 2013 الذى أنقذ مصر من براثن حكم جماعة الأخوان الإرهابية التى سعت إلى جر الوطن نحو براثن الفوضى والاقتتال وتنفيذ أجندات الدماء والخراب ،وفيه تأهلنا التأهل غير المسبوق فى كأس العالم الحالية إلى دور الـ 16 ،  ثم تُوّج كل هذا بافتتاح تاريخى لمقر  القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية "الأوكتاجون" في العاصمة الإدارية الجديدة.

افتتاح الرئيس عبد الفتاح السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة، الأوكتاجون ، ليس افتتاحا تقليديا لصرح عسكري عابر بل يعد محطة تاريخية فارقة في مسيرة بناء الجمهورية الجديدة الحديثة والمتطورة ، ومصدر فخر لكل المصريين، ودليل متجدد على قدرة الدولة على الجمع بين قوة البناء، وحكمة الإدارة، وصلابة مؤسساتها الوطنية، بما يرسخ الثقة في مستقبل هذا الوطن وقدرته على مواجهة التحديات وصناعة الإنجاز.

فالوصول إلى هذا الصرح العملاق الذى يمثل عقلا استراتيجيا للدولة المصرية، ولا يوجد مثيله فى المنطقة يبعث برسالة واضحة للجميع بأن الدولة المصرية ماضية بثبات في بناء قدراتها الشاملة، وتعزيز منظومة الأمن القومي، وتطوير مؤسساتها وفق رؤية استراتيجية حديثة تواكب تحديات الحاضر والمستقبل ، وهو لا يعكس فقط حجم ما تحقق على مستوى البنية التحتية العسكرية والاستراتيجية، بل يجسد إرادة أمة تعرف جيدا قيمة التخطيط، وأهمية امتلاك أدوات القرار، وقدرة المؤسسات الوطنية على مواكبة التطور التكنولوجي والتنظيمي في عالم شديد التعقيد والتغير، فقد روعى فى التصميم الهندسي للمشروع أن يستوعب التطور على مدار المئة عام القادمة، من خلال تحقيق التكامل بين جميع الوزارات والهيئات، وتوفير بنية تحتية موحدة للخوادم والحواسب داخل مختلف المنشآت، بما يضمن سهولة التحديث والتطوير دون الحاجة إلى إعادة البناء، على عكس المباني الحكومية القديمة .

"الأوكتاجون" يؤكد أن الجمهورية الجديدة يتم ترسيخ قواعدها على أسس قوية من الانضباط والكفاءة والرؤية بعيدة المدى، بما يضمن حماية مقدرات الوطن وصون استقراره وتعزيز مكانته الإقليمية الدولية ،وعظمته تتجلى في كونه يعكس إدراك الدولة العميق لأهمية تطوير منظومة القيادة والسيطرة، بما يضمن سرعة اتخاذ القرار، ورفع كفاءة التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة، وهو ما يسهم بشكل مباشر في تعزيز الأمن القومي وحماية مقدرات الوطن في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة.

كما أن اختيار العاصمة الإدارية الجديدة لإقامة المشروع يعزز مكانتها باعتبارها مركزا لإدارة الدولة وفق أحدث المعايير العالمية ، ويؤكد نجاح القيادة السياسية في إعادة صياغة مفهوم بناء الدولة ، لتصبح العاصمة نموذجا للتخطيط الحضاري والإدارة الذكية، فى إطار رؤية  استراتيجية طويلة المدى تستهدف بناء دولة تقوم على الكفاءة والتكنولوجيا والتخطيط العلمي، وليس على المسكنات أو الحلول المؤقتة.

والحقيقة أن تدشين "الأوكتاجون" بهذا النسق الضخم فنيا ومعلوماتيا ، ليس رفاهية بل ضرورة حتمية في ظل ما يشهده العالم من تطورات متسارعة في الحروب الحديثة واختراقات المعلومات والأمن السيبراني، ومن حق كل مصرى أن يفتخر بالافتتاح المهيب لهذا الصرح العملاق  فهو يضاهى أكبر مراكز القيادة المتكاملة على مستوى العالم، حيث يأتي في المرتبة الرابعة عالميا من حيث القدرات والتجهيزات، وهو مؤهل لإدارة الأزمات العسكرية والمدنية على حد سواء بكفاءة عالية وسرعة استجابة غير مسبوقة، من خلال اعتماده على أحدث التقنيات التكنولوجية وأنظمة جمع وتحليل المعلومات، مما يتيح صناعة القرار وتنفيذه بشكل فوري ومنسق ، كما تبرز الأهمية الجيوسياسية لهذا الصرح في وجود ثلاثة مراكز قيادة استراتيجية فقط من هذا النوع على مستوى العالم تتوزع بين الولايات المتحدة وروسيا ومصر، وما يضاعف قيمة الإنجاز أن "الأوكتاجون" هو الأكبر مساحة وتجهيزا بينها، والوحيد من نوعه في منطقة الشرق الأوسط بالكامل، مما يمنح القيادة رؤية شاملة وتفصيلية للمشهد الإقليمي والمحلي.

افتتاح الأوكتاجون ينقل مصر من مرحلة 
"رد الفعل" فى مواجهة الأزمات ، إلى مرحلة "الفعل الاستباقي" والتنبؤ بالمخاطر والتهديدات المحتملة داخل وخارج الحدود والتعامل معها قبل وصولها، مستندة إلى أحدث التقنيات وأقمار الرصد والتنبؤ.

ونجح الأوكتاجون بالفعل خلال فتراته التجريبية السابقة في إدارة عدة أزمات حقيقية وحساسة، أبرزها أزمة فيضان السودان، حيث رصدت مراكز التنبؤ بالأوكتاجون فتح إثيوبيا لبوابات السد بشكل مفاجئ، مما تسبب في غرق أجزاء واسعة من السودان، بينما تفادت مصر الضرر تماما بعد اتخاذ قرار استباقي سريع بفتح مفيض توشكى لاستيعاب المياه الزائدة، ونجح المركز في تأمين الملاحة البحرية للخليج، وإدارة حركة الملاحة وتأمين سلاسل الإمداد لدول الخليج الشقيقة خلال الأزمات الإقليمية الأخيرة بالبحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس، وتوجيه الشحنات وتأمينها بريا وبحريا دون تأثر الإمدادات.

الأوكتاجون بما يشمله من منشآت محصنة بالكامل ومكررة تحت الأرض بنفس الكفاءة التكنولوجية المتواجدة فوقها،  يحمل في طياته رسالة طمأنة كبرى للمواطن المصري، مفادها أن الدولة تواصل الاستثمار في قدراتها المؤسسية والعسكرية والإدارية، بما يضمن الحفاظ على الأمن والاستقرار، ويهيئ البيئة المناسبة لاستكمال خطط التنمية الاقتصادية وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، ويرسخ للعقيدة الثابتة أن القوات المسلحة المصرية ستظل دوما الدرع الحامي للوطن، وأن تطوير بنيتها التنظيمية والقيادية يعكس حرص الدولة على امتلاك أحدث وسائل الإدارة والتخطيط الاستراتيجي بما يتناسب مع مكانة مصر ودورها المحوري في المنطقة.

وكعادته لم يترك الرئيس عبد الفتاح السيسي حدثا ضخما كهذا دون أن يبعث من خلاله بحزمة من الرسائل الحاسمة والكاشفة والواضحة ،و التي لا تقل أهمية وعمقا عن الحدث نفسه، مكملا بذلك رسالة المبنى برسائل المعنى والمنهج.

الرئيس السيسى الذى ارتدى الزى العسكرى ـ فى ظهور  لا يأتي إلا في المحطات الفاصلة والمنعطفات التاريخية للدولة ـ استهل كلمته بمناسبة الافتتاح برسائل طمأنة واستعراض للقدرة العسكرية والأمنية، مؤكدا أن افتتاح القيادة الاستراتيجية يمثل تثبيتا لأركان "الجمهورية الجديدة" عبر نقلة تكنولوجية تربط مفاصل الدولة وتضمن سرعة الاستجابة للأزمات.

وبعث برسالة ردع واضحة لكل من تسول له نفسه المساس بسيادة مصر أو مقدراتها،  بعدما شدد مجددا على أن حدود مصر خط أحمر وأمن قومي محمي بقوة السلاح وإرادة الشعب، ،وأعلن تمسك بخيار السلام، بالتوازي مع حرصها على حماية مقدرات الشعب المصري والدفاع عن أمنه القومي، وشدد على أن مصر لن تنحني إلا لله سبحانه وتعالى.

وبصراحته المعهودة وضع الرئيس السيسى المواطن فى قلب المشهد بعرض الأرقام والحقائق بحجم الخسائر الجسيمة التي فرضتها الاضطرابات المحيطة، حيث كشف عن خسارة أكثر من 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس نتيجة تداعيات الحروب في غزة وإيران وأوكرانيا التي تسببت في ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، واضطراب سلاسل الإمداد، وموجات نزوح الملايين إلى مصر كملاد آمن ،  ورغم هذه الفاتورة الباهظة، وبعث الرئيس برسالة تؤكد أنه يشعر بما يؤلم المواطنين حيث أكد فيها علمه اليقين بحجم الأعباء المعيشية والضغوط التي يتحملها المواطن، واضعا تحسين المعيشة في مقدمة أولويات الدولة وشاغلها الأول.
وزف الرئيس بشرة خير بالإعلان عن التوجه نحو الاعتماد الكامل على الذات من خلال التخطيط لبرنامج اقتصادي وطني مصري خالص بنسبة 100% يبدأ تنفيذه فور انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي، للانتقال بالاقتصاد من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى مرحلة النمو المستدام، وتعهد بالإسراع في تنفيذ برنامج تخارج الدولة من بعض الأنشطة الاقتصادية لتمكين القطاع الخاص وتعزيز المنافسة الحرة وجذب الاستثمارات.

وأطلق الرئيس رسائل واضحة للانفتاح السياسي والإعلامي، موجها وزير الدولة للإعلام بالتنسيق مع الجهات المعنية لفتح المجال أمام الحوار الإعلامي الموضوعي الذي يتسع للرأي والرأي الآخر لبناء الوعي،  كما أعطى الضوء الأخضر لتنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والانتهاء من الاستعدادات لإجراء انتخابات المجالس المحلية لترسيخ المشاركة الشعبية في الإدارة المحلية.

أما على صعيد السياسة الخارجية والشراكات الدولية، ففى الوقت الذى وجه الرئيس تحية للرئيس الأمريكي  لجهوده في التتوصل لاتفاقات وقف الحرب في غزة ومع إيران، و للرئيس الروسى للتعاون بمفاعل الضبعة أكد الرئيس موقف مصر التاريخي الثابت بأن الحل الجذري لنزاعات الشرق الأوسط يكمن في إنهاء القضية الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفق مقررات الشرعية الدولية.

ثم جاءت التكليفات الحاسمة بتكليف جهاز "مستقبل مصر" للتنمية المستدامة بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والتموين لإعداد برنامج وطني لخفض الأعباء المعيشية عبر التوسع في المنافذ الدائمة وضبط سلاسل الإمداد لمواجهة الغلاء، إلى جانب اتخاذ إجراءات أكثر حسما  لمواجهة الفساد بكافة صوره وتعزيز الحوكمة ، مع مواصلة تطوير التعليم على أساس الجدارة وربطه بسوق العمل، ووضع خطة شاملة لإعادة هيكلة جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة ليركز على الأنشطة الإنتاجية وتبسيط إجراءات التمويل والتراخيص للشباب.

وأخيرا وليس آخرا ، أؤكد أن افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية "الأوكتاجون" كقوة ردع وفعل استباقي، تزامنا مع رسائل المصارحة والتكليفات الصادرة عن الرئيس السيسي، يؤكدان أن مصر في عهد جمهوريتها الجديدة تحمي أمنها القومي بالعتاد والتكنولوجيا الفائقة ،وتحصنه بوعي شعبها، ومكاشفة قيادتها، والإصرار على استكمال مسيرة التنمية والبناء الشامل كخيار استراتيجي راسخ لا يمكن العدول عنه .