تستمر خطط إنشاء مراكز البيانات في مواجهة المزيد من العقبات، بدءًا من تأمين إمدادات الطاقة ووصولًا إلى ارتفاع تكاليف البناء، لكن مشروع "برنس ويليام ديجيتال جيتواي" المقام على مساحة 2,000 فدان في ولاية فرجينيا الأمريكية يواجه عقبة مختلفة، تتمثل في قربه جغرافيًا من موقع إحدى معارك الحرب الأهلية الأمريكية.
وجاء في إحدى المذكرات القانونية المعارضة للمشروع: "إذا سُمح بتنفيذ هذا المشروع، فإن الطبيعة المهيبة لهذا الموقع التاريخي ستتضرر بسبب وقوعه في ظل مراكز البيانات الضخمة، إلى جانب البنية التحتية الكهربائية المرتبطة بها"، ليصبح مشروع "برنس ويليام ديجيتال جيتواي" محل شك بعد صدور حكم من محكمة محلية بإيقافه، وانسحاب أحد أبرز الداعمين له.
ويعد هذا المشروع واحدًا من مئات مشروعات مراكز البيانات الضخمة حول العالم، التي تمر بمراحل مختلفة من التطوير، بدءًا من المشروعات التي تسعى للاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى المشروعات الأكثر تقدمًا التي تحظى بدعم شركات التكنولوجيا العملاقة مثل مايكروسوفت، بحسب تقرير لصحيفة "الجارديان" البريطانية.
ورغم التحسن السريع الذي تشهده نماذج الذكاء الاصطناعي التي تطورها شركات مثل "أوبن إيه آي"، و"أنثروبيك"، و"جوجل"، فإن البنية الأساسية التي تعتمد عليها هذه التقنيات، والمتمثلة في مراكز البيانات، تُبنى بوتيرة أبطأ بكثير.
ورصد معهد "أب تايم"، المتخصص في فحص وتصنيف مراكز البيانات، 250 مشروعًا عالميًا لمراكز بيانات تتجاوز احتياجاتها من الطاقة 100 ميجاوات، وهو ما يعادل استهلاك نحو 300 ألف منزل، وقد أُعلن عنها خلال الفترة بين 2021 و2024.
وأشار المعهد إلى أن نحو نصف هذه المشروعات لن يرى النور، أو سيتعرض لتأخيرات في التنفيذ، وحتى في حال حدوث تلك الإلغاءات والتأجيلات، فإن الطلب على الطاقة خلال السنوات الخمس المقبلة سيشهد زيادة "غير مسبوقة وسريعة".
ومن بين المشروعات العملاقة التي أُلغيت العام الماضي مشروع "بروجكت رينج" في ولاية أريزونا الأمريكية، ومجمع "سايبرجايا" في ماليزيا، كما أُدرج مشروع "برنس ويليام ديجيتال جيتواي" ضمن قائمة المشروعات الملغاة.
ويشكل هذا التراكم في المشروعات تحديًا أمام شركات الذكاء الاصطناعي التي تحتاج إلى مراكز البيانات لتدريب وتشغيل نماذجها، وكانت جوجل قد أقرت بأن نشاطها في الحوسبة السحابية، الذي يعتمد على مراكز البيانات لتقديم خدمات الذكاء الاصطناعي مثل روبوتات الدردشة، يعاني من محدودية في قدرات الحوسبة، في ظل تزايد الطلب على نماذج وخدمات أكثر تطورًا.
وقال جاي ديتريش، مدير الأبحاث في معهد "أب تايم"، إن هناك عدة عوامل تعرقل تنفيذ مشروعات مراكز البيانات، من بينها تقدم مطورين لا يمتلكون خبرة في هذا المجال، وعدم وجود مستأجرين ملتزمين بالمشروعات، إضافة إلى ضخامة حجم المشروعات واستهلاكها الكبير للطاقة والمياه، وتركيزها في مناطق تعرف باسم "ممرات مراكز البيانات"، إلى جانب مشكلات سلاسل الإمداد، بما في ذلك توفير الرقائق الإلكترونية اللازمة.
وأضاف: "سلاسل الإمداد العالمية ببساطة لا تستطيع دعم هذا الحجم من المشروعات وفق الجداول الزمنية المعلنة. حجم هذه المشروعات سيؤدي حتمًا إلى إبطاء التنفيذ."
كما تظل معارضة المجتمعات المحلية والجماعات البيئية واحدة من أبرز العقبات أمام تنفيذ هذه المشروعات، كما أظهر الاعتراض القانوني على مشروع "برنس ويليام ديجيتال جيتواي".
ويؤكد معهد "أب تايم" أن العالم يدخل عصر مراكز البيانات العملاقة متعددة الجيجاوات، حيث رصد العام الماضي 6 مشروعات يستهدف كل منها استهلاك ما لا يقل عن 5 جيجاوات من الكهرباء، منها 5 مشروعات في الولايات المتحدة، ومشروع واحد في الإمارات العربية المتحدة، وللمقارنة، يبلغ أقصى طلب على الكهرباء في أيرلندا نحو 6 جيجاوات.
وتعد احتياجات الطاقة لهذه المشروعات هائلة، فوفقًا لمعهد "أب تايم"، فإن المشروعات التي أُعلن عنها العام الماضي وحدها، إذا عملت عند 25% من قدرتها المخططة، ستستهلك ما يعادل 1.3% من إجمالي استهلاك الكهرباء العالمي المتوقع في عام 2025، وهو ما يقارب ضعف الاستهلاك الحالي لمراكز البيانات، بينما يأتي نحو 80% من الطلب الجديد على الطاقة من المشروعات الأمريكية.
ولا يبدي المعهد تفاؤلًا بإمكانية تلبية هذه الاحتياجات، إذ قال في تقرير صدر في يناير الماضي: "إن الطلب المتزايد على الطاقة من جانب مراكز البيانات، خصوصًا في أمريكا الشمالية، لا يمكن لشبكات الكهرباء التي تعمل بالفعل تحت ضغوط كبيرة أن تتحمله."
وفي ولاية كاليفورنيا، ظلت بعض مراكز البيانات خالية لسنوات بسبب عجز شبكة الكهرباء المحلية عن تزويدها بالطاقة، وفي أمستردام، رفعت شركة أسترالية مطورة لمراكز البيانات دعوى قضائية ضد مشغل شبكة الكهرباء الهولندية بعد رفض طلبها للحصول على توصيل كهربائي، في مؤشر على احتمال تصاعد النزاعات بين مشروعات مراكز البيانات والمنازل والمستشفيات والشركات التي تحتاج إلى الكهرباء أيضًا.
ومع ارتفاع درجات الحرارة عالميًا وتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، تصبح المفاضلة بين تخصيص الموارد لبناء مراكز بيانات ضخمة للذكاء الاصطناعي أو توجيهها إلى مجالات أخرى أكثر وضوحًا.
وفي المملكة المتحدة، أظهرت تحقيقات أن طموحات الحكومة الواسعة لتحويل البلاد إلى قوة عظمى في الذكاء الاصطناعي استندت إلى اهتمام محدود بما تتطلبه هذه الخطط من موارد أو تنازلات. فعند الإعلان عن سلسلة من المشروعات التي تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات لإدخال الذكاء الاصطناعي "في شرايين" بريطانيا، لم تُجر الحكومة حتى مراجعة للمبالغ الموعودة.
كما بدا أنها لم تولي اهتمامًا كافيًا عند اختيار مواقع أكبر مشروعات الذكاء الاصطناعي في المملكة المتحدة بما إذا كانت تلك المواقع تتوفر فيها الكهرباء من الأساس.
وفي المقابل، يتبنى بعض المراقبين رؤية أكثر تفاؤلًا. إذ تتوقع شركة جيه إل إل الأمريكية للاستشارات العقارية بناء نحو 1,200 مركز بيانات حول العالم بحلول عام 2030، مع اعتماد الطلب بشكل أساسي على الذكاء الاصطناعي.
وقال أندرو باتسون، الرئيس العالمي لأبحاث مراكز البيانات في الشركة، إنه واثق من بناء القدرات المطلوبة، مشيرًا إلى أن توقيع عقود الإيجار وبدء أعمال الإنشاء خلال النصف الأول من عام 2026 جاءا أعلى قليلًا من التوقعات.
وأضاف أن تطورات مثل تحسين تقنيات تخزين البطاريات وإنتاج الكهرباء داخل مواقع مراكز البيانات، بدلًا من الاعتماد الكامل على الشبكات المحلية، يمكن أن تساعد في تجاوز قيود الطاقة، موضحًا: "أنا واثق من أن القطاع سيتمكن من تجاوز تحديات الطاقة. هذه القيود لن تختفي، لكن القطاع يطور ويطبق حلولًا منذ سنوات، وسيستمر هذا الإرث من الابتكار."
ووفقًا لتقرير أصدره معهد "أب تايم"، فإن أكبر 7 مراكز بيانات مخطط لها في العالم تستهدف إنتاج قدرة كهربائية داخلية مجمعة تبلغ 45 جيجاوات، يعتمد معظمها على الغاز كمصدر رئيسي للطاقة. ويعادل هذا الرقم أقصى طلب على الكهرباء في المملكة المتحدة.
وتختتم المذكرة القانونية الخاصة بمشروع "برنس ويليام ديجيتال جيتواي" بالإقرار بأن مراكز البيانات تمثل "جزءًا أساسيًا من البنية التحتية التكنولوجية التي تدعم الاقتصاد الحديث"، إلا أن المقاومة المحلية، إلى جانب التحديات العامة مثل توفير الطاقة، لا تزال تعرقل هذه الثورة العالمية.
عقبات متزايدة أمام توسع مراكز البيانات تهدد طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية