اختفاء الفهد الصحراوي من ليبيا يعكس تراجعًا مقلقًا في التنوع الحيوي بعد عقود من الضغوط البيئية والبشرية التي انتهت بانقراضه محليًا، بينما لا تزال أعداد محدودة منه تعيش في مناطق متفرقة من الصحراء الكبرى.
ويعد الفهد الصحراوي مجرد أحد الحيوانات التي عاشت في الصحراء الليبية، بل شكّل واحدًا من أبرز مفترساتها الطبيعية، ورمزًا لقدرة الكائنات البرية على التأقلم مع واحدة من أكثر البيئات قسوة في العالم. غير أن هذا المفترس، الذي جاب السهول والوديان الرملية لعقود طويلة، اختفى تدريجيًا من المشهد، ليصبح مثالًا واضحًا على التراجع الذي طال التنوع الحيوي في ليبيا.
ويؤكد مختصون في شؤون البيئة أن اختفاء الفهد الصحراوي لم يكن حدثًا مفاجئًا، وإنما جاء نتيجة مسار طويل من الضغوط البيئية والبشرية، بدأ بتقلص موائله الطبيعية، وانتهى بانقراضه محليًا، في وقت لم يتبق فيه عالميًا سوى أعداد محدودة من هذا النوع موزعة في مناطق متفرقة من الصحراء الكبرى.
انتشار واسع
ووفقًا لمنظمة البراري لصون الطبيعة، توثق المراجع التاريخية وجود الفهد الصحراوي في مناطق واسعة من ليبيا، من بينها الكفرة، والجغبوب، وسرت، والظهرة، وحمادة الحمراء، والعقيلة، وبني وليد، وجنوب مصراتة، إضافة إلى إقليم فزان والمناطق القريبة من الحدود الليبية المصرية.
ويعكس هذا الانتشار المساحة الواسعة التي وفرت لهذا الحيوان بيئة مناسبة للصيد والتكاثر، قبل أن تشهد تلك المناطق تغيرات متسارعة أدت إلى تقلص وجوده عامًا بعد عام.
سلالة نادرة
وينتمي الفهد الذي عاش في ليبيا إلى الفهد الشمالي الغربي الإفريقي، وهو أحد أندر سلالات الفهود في العالم وأكثرها قدرة على التكيف مع البيئة الصحراوية.
ويمتاز بلونه الرملي الفاتح الذي ينسجم مع طبيعة الصحراء، وببقع أقل كثافة مقارنة بأنواع الفهود الأخرى، إلى جانب قدرته على تحمل درجات الحرارة المرتفعة وقطع مسافات طويلة بحثًا عن الماء والغذاء ورغم أن الفهد يُعرف بأنه أسرع حيوان بري على وجه الأرض، فإن نجاحه في الصيد لم يعتمد على السرعة وحدها، بل ارتكز أيضًا على مهارة التمويه والاقتراب الهادئ من الفريسة قبل الانقضاض عليها خلال مسافات قصيرة، مستهدفًا الغزلان والأرانب البرية وبعض الثدييات الصغيرة.
ويرى خبراء البيئة أن الفهد الصحراوي أدى دورًا محوريًا في الحفاظ على التوازن الطبيعي داخل منظومة البيئية، إذ أسهم في تنظيم أعداد الفرائس والحد من اختلال السلسلة الغذائية، وهو ما جعل وجوده مؤشرًا مهمًا على سلامة النظام البيئي الصحراوي.
ويؤكد المختصون أن اختفاء الحيوانات المفترسة الكبرى غالبًا ما يترك انعكاسات تمتد إلى بقية الكائنات الحية، إذ يؤدي إلى تغير أعداد الحيوانات العاشبة، وما يتبع ذلك من ضغوط متزايدة على الغطاء النباتي والموارد الطبيعية.
وتشير التقديرات إلى أن الصيد الجائر كان العامل الرئيسي وراء تراجع أعداد الفهد داخل ليبيا، سواء من خلال استهدافه مباشرة أو عبر الصيد المكثف لفرائسه الطبيعية، وهو ما أدى إلى تقلص مصادر غذائه.
كما أسهمت التغيرات التي طرأت على الموائل الطبيعية، والتوسع في الأنشطة البشرية، وازدياد الحركة داخل المناطق الصحراوية، في تضييق نطاق انتشاره، حتى اختفى تدريجيًا من البرية الليبية.
ويضاف إلى ذلك ضعف برامج الرصد والحماية خلال فترات الاضطرابات، الأمر الذي صعّب متابعة أوضاع الأنواع النادرة، وأضعف الجهود الرامية إلى الحفاظ على ما تبقى منها.
وتصنف الهيئات الدولية المعنية بالحفاظ على الطبيعة الفهد الشمالي الغربي الإفريقي ضمن أكثر سلالات الفهود تعرضًا لخطر الانقراض، وترى منظمة البراري لصون الطبيعة أن ندرة الفهد الصحراوي لا تقتصر على فقدان نوع نادر،فقط بل تمثل خسارة لجزء من الموروث الطبيعي الليبي، ورسالة تحذير بشأن مستقبل الحياة البرية في البلاد.
وتؤكد المنظمة أن حماية الأنواع المهددة تتطلب تعزيز المحميات الطبيعية، ومكافحة الصيد غير المشروع، واستعادة التوازن البيئي، إلى جانب نشر الوعي بأهمية الحفاظ على التنوع الحيوى .