ألقى الدكتور أبو اليزيد سلامة، مدير عام شؤون القرآن الكريم بالأزهر الشريف، خطبة الجمعة اليوم من الجامع الأزهر، والتي دار موضوعها حول: "بين النجاح والفلاح والفوز .. رسائل إلى شباب المستقبل"، مؤكدا أن إعلان نتائج الثانوية العامة والثانوية الأزهرية مناسبة تستدعي الوقوف مع النفس، وليس مجرد الانشغال بالمجاميع والدرجات وحدها، وإنما لاستحضار المعاني الكبرى في النفس التي ينبغي أن تصاحب كل طالب، حيث أن الناس اعتادوا أن يجعلوا "النجاح" غاية المقاصد.
بينما يوجه القرآن الكريم الأنظار إلى منزلة أعلى وأبقى، هي منزلة "الفلاح"، لذلك لو نظرنا إلى كلمة "النجاح" على شيوعها في حياة الناس، نجد أنها لم ترد في القرآن الكريم مطلقا، في حين تكرر ذكر "الفلاح" في أكثر من أربعين موضعا؛ لأنه المفهوم الذي يجمع خير الدنيا والآخرة، قال تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا"، وقال سبحانه: "قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون" أما "الفوز" فهو الغاية الكبرى التي وصفها الله عز وجل بقوله: "فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ"، لذلك ارتبط الفوز بختام الأعمال لأنه هو الجزاء الأعظم.
وأوضح مدير شؤون القرآن الكريم بالازهر، أن "النجاح" في الدراسة أو العمل أو غيرهما نعمة عظيمة تستوجب شكر الله تعالى، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية الطموح، بل هو خطوة في طريق أطول، فإذا لم يتحول النجاح إلى عمل صالح، وإحسان في الخلق، ونفع للناس، وصدق في العبادة، يكون الإنسان بذلك فقد أعظم ثماره، أما "الفلاح" فهو أن يبارك الله للإنسان في علمه وعمله، وأن يجعل ما حصله من علم سببا في عمارة الأرض وخدمة الناس وابتغاء مرضاة الله تعالى، لأن الإنسان قد ينجح في امتحان من امتحانات الدنيا، لكنه لا يبلغ تمام النجاح إلا إذا جمع بين التفوق في مجاله والاستقامة في سلوكه.
رسالة إلى الطلاب والطالبات
ووجه خطيب الجامع الأزهر رسالته الأولى إلى الطلاب والطالبات، وهي أن نتائج الامتحانات لا تختزل قيمة الإنسان، ولا تحدد مستقبله كله، فالنجاح في مرحلة من مراحل الحياة ليس شهادة نهائية بالفلاح، كما أن التعثر في امتحان ليس حكما بالفشل أو نهاية للطريق، لذلك يجب على المسلم أن يوقن أن أبواب الله أوسع من أن تغلقها نتيجة، وأن لكل مجتهد فرصة جديدة، ولكل عثرة درسا، لذلك على طلابنا أن يجعلوا من النجاح دافعا لمزيد من الاجتهاد، ومن كل تعثر بداية جديدة لا سببا لليأس أو الانكسار.
وأضاف أن الفلاح الذي يدعو إليه القرآن الكريم يقوم على أربعة أركان كبرى؛ صلاح الصلة بالله عز وجل، وحسن القيام بحقوق الأسرة وحقوق المجتمع وبر الوالدين وصلة الأرحام، والإتقان في العلم والعمل، و السعي إلى الفوز برضا الله تعالى في الآخرة وإصلاح النفس، وهذه المعاني هي التي تمنح النجاح قيمته الحقيقية، وتجعل ثماره باقية نافعة لصاحبها ولمجتمعه.
وفي رسالته الثانية دعا خطيب الجامع الأزهر الناجحين إلى أن يكون فرحهم منضبطا بشكر الله تعالى، بعيدا عن الكبر أو الغرور أو التفاخر، يقول الحق سبحانه وتعالى: "قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ" لأن المؤمن يعلم أن التوفيق منحة من الله، وأن الأخذ بالأسباب لا يثمر إلا إذا صاحبه عون الله وتوفيقه، ولذلك كان الأنبياء عليهم السلام يردون الفضل كله إلى الله تعالى، كما قال نبي الله يوسف عليه السلام: "وَقَدْ أَحْسَنَ بِي"، وقال في ختام قصته: "إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ"، ليعلم الناس أن المنعم الحقيقي هو الله سبحانه وتعالى، ويجب على الإنسان كلما ازداد علما أو نجاحا أن يزداد افتقارا إلى الله تعالى، لأن التواضع يرفع صاحبه، أما الغرور فيبدد ثمرة النجاح ويحرم صاحبه بركته.
وفي رسالته الثالثة شدد خطيب الجامع الأزهر على أن النجاح لا يولد من فراغ، وإنما هو ثمرة الجد والاجتهاد، وأن الله سبحانه وتعالى أقام الكون على سنن لا تحابي أحدا، فمن أخذ بالأسباب وأخلص في عمله رزقه الله من فضله، قال تعالى: "وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى" فهذه الآية الكريمة ترسم منهج الحياة لكل طالب ولكل شاب، فالأماني وحدها لا تبني مستقبلا، وإنما يبنيه العمل الدؤوب، والصبر، والمثابرة، وتجديد العزم كلما اعترضت الطريق عقبة، لذلك على الطلاب أن يدركوا أن التعثر قد يكون بداية نجاح أكبر إذا أحسن الإنسان مراجعة نفسه، واستفاد من أخطائه، وأعاد ترتيب أولوياته، فكم من إنسان ظن أن بابا قد أغلق في وجهه، فإذا بالله يفتح له أبوابا أوسع وخيرا أكثر.
وفي الرسالة الرابعة داعا خطيب الجامع الازهر الطلاب المتفوقين إلى الوفاء لأصحاب الفضل، وعدم نسيان من كان سببا في نجاحهم، وفي مقدمتهم المولى سبحانه وتعالى، ثم الوالدين لما بذلوه من جهدوصبر، ثم المعلمون الذين حملوا رسالة العلم، وأخلصوا في أداء الأمانة، وكذلك كل من قدم نصحا أو دعما أو كلمة طيبة كانت سببا في الوصول إلى هذه اللحظة، لأن من أخلاق الإسلام رد الجميل لأهله، و النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله".
وفي ختام خطبته شدد الدكتور أبو اليزيد سالمة على أولياء الأمور ألا يجعلوا النتائج سببا لكسر النفوس أو المقارنة الجارحة بين الأبناء، فالمربي الحكيم يغرس الثقة، ويجدد الأمل، ويعين على تجاوز العثرات، لأن الأمة تحتاج إلى شباب يجمعون بين العلم والإيمان، وبين التفوق والأخلاق، وبين النجاح والفلاح، وأن قيمة الإنسان الحقيقية ليست فيما يحمله من شهادات، وإنما فيما يحمله من رسالة، وما يقدمه من نفع لوطنه وأمته.

