تصاعدت التحركات البرلمانية في مواجهة أزمة ظهور خطوط هاتف محمول مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم، وسط مطالبات بضرورة الانتقال من مجرد مطالبة المواطن باكتشاف الخطوط غير التابعة له إلى إصلاح منظومة التسجيل والتحقق من الهوية ومحاسبة المسؤول عن أي خلل سمح بتسجيل خطوط باستخدام بيانات المواطنين دون موافقتهم.
وتنوعت المقترحات البرلمانية بين استحداث خاصية فورية لإيقاف الخطوط محل الاعتراض، وإعادة تشغيل وتطوير خدمة «أرقامي» عبر تطبيق My NTRA، وتشديد الرقابة على شركات المحمول ومنافذ بيع الشرائح، وصولًا إلى تطبيق التحقق البيومتري، مع التأكيد على ضرورة حماية البيانات الشخصية وعدم تحويل المواطن إلى طرف يتحمل تبعات خط لم يتعاقد عليه.
زر إيقاف الخط
في مقدمة التحركات، تقدم النائب جرجس لاوندي، عضو مجلس النواب، بمقترح يستهدف منح المواطن قدرة فورية على التعامل مع أي خط محمول يكتشف أنه مسجل باسمه دون علمه.
وطالب لاوندي باستحداث خاصية داخل تطبيق My NTRA تتيح للمواطن، بمجرد الاستعلام عن الخطوط المسجلة باسمه، الضغط على زر واضح يحمل اسم «هذا الرقم ليس ملكي – إيقاف الخط»، لتقديم اعتراض إلكتروني دون الحاجة إلى التوجه إلى فروع شركات المحمول.
وحسب المقترح، يتم إرسال طلب الاعتراض مباشرة إلى شركة الاتصالات المعنية والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، مع وضع الخط محل الشكوى في حالة «موقوف مؤقتًا للتحقق من الملكية» لحين الانتهاء من فحص الواقعة.
كما طالب لاوندي بمنح المواطن رقمًا مرجعيًا وشهادة إلكترونية مؤرخة تثبت تقديم طلب الاعتراض، بما يحدد تاريخ اكتشاف المواطن للخط وتاريخ إبلاغ الجهات المختصة بعدم ملكيته.
وشدد على أهمية أن تتحمل شركة الاتصالات مسؤولية إثبات سلامة إجراءات التعاقد والتحقق من هوية صاحب الخط، بدلًا من تحميل المواطن عبء إثبات أنه لم يتعاقد على رقم لا يعرفه.
مين سجل الخط باسمي؟
وفي تحرك برلماني آخر، طالب النائب محمد عبده، عضو مجلس النواب، الحكومة والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بسرعة إعادة تشغيل تطبيق My NTRA بكفاءة كاملة، باعتباره أداة أساسية تتيح للمواطن الاستعلام عن الخطوط المسجلة باسمه واكتشاف أي أرقام مجهولة.
وأكد عبده أن استمرار تعطل أو عدم كفاءة وسيلة الاستعلام الإلكترونية يحرم المواطن من أداة مهمة لحماية بياناته والتأكد من موقفه القانوني، خاصة مع تصاعد الشكاوى المتعلقة بوجود خطوط مسجلة باستخدام بيانات مواطنين دون علمهم.
وطالب النائب بعدم الاكتفاء بإعادة الخدمة، وإنما تطويرها بحيث تتيح للمواطن الإبلاغ إلكترونيًا عن أي خط مجهول، ومتابعة الشكوى، ومعرفة مصير الخط محل الاعتراض، مع سرعة إزالة الخطوط التي يثبت عدم صلة أصحاب البيانات بها.
ودعا إلى تشديد الرقابة على شركات المحمول ومنافذ بيع الشرائح، والتوسع في وسائل التحقق البيومتري عند تسجيل وتفعيل الخطوط، بما يمنع استخدام بيانات المواطنين في تسجيل أرقام دون حضورهم وموافقتهم.
محاسبة المتورطين ومراجعة شاملة للخطوط
من جانبه، أكد النائب أشرف مرزوق، عضو مجلس النواب عن حزب حماة الوطن، أهمية إعادة إتاحة خدمة «أرقامي» عبر تطبيق My NTRA، معتبرًا أن عودة الخدمة تمثل خطوة مهمة لتعزيز الشفافية وحماية حقوق المواطنين.
وطالب مرزوق بسرعة تطبيق منظومة التحقق البيومتري عند تسجيل وتفعيل خطوط المحمول، مع إجراء مراجعة شاملة للخطوط المسجلة بأسماء المواطنين، خاصة الخطوط غير المستخدمة منذ فترات طويلة أو التي تظهر بشأنها مؤشرات تستدعي المراجعة.
ودعا إلى توفير آلية إلكترونية مبسطة وسريعة لإلغاء أي خط لا يعرفه المواطن، وإلزام شركات المحمول بإخطار المواطن فور تسجيل أي خط جديد باسمه، سواء من خلال رسالة نصية أو وسيلة إلكترونية موثقة.
وشدد على ضرورة تشديد الرقابة على منافذ بيع وتسجيل الخطوط، وتوقيع عقوبات رادعة على أي جهة يثبت تورطها في تسجيل خطوط بالمخالفة للقواعد، مع إنشاء مسار سريع للشكاوى والاعتراضات وتحديد مدد زمنية واضحة لفحصها.
لماذا يتحمل المواطن عبء اكتشاف خطأ المنظومة؟
وأكد النائب محمد فريد، عضو مجلس النواب، أن معالجة الأزمة لا يجب أن تقتصر على مطالبة المواطنين بالاستعلام الدوري عن الخطوط المسجلة بأسمائهم.
وتساءل فريد عن كيفية تسجيل هذه الخطوط من الأساس، وما إذا كان هناك خلل في إجراءات التسجيل والتحقق من الهوية سمح باستخدام بيانات المواطنين دون علمهم، مطالبًا بالكشف عن المسؤول عن هذا الخلل ومحاسبته.
وانتقد مطالبة المواطن باكتشاف الخط المخالف وتقديم شكوى ثم انتظار فحصها، معتبرًا أن ذلك يمثل «ترتيبًا معكوسًا للمسؤولية»، لأن سلامة إجراءات التسجيل والتحقق من هوية صاحب الخط يجب أن تكون مسؤولية شركات المحمول والجهة المنظمة منذ البداية.
مطالب بإيقاف الخط محل الشكوى لحين التحقق
واقترح فريد أن يتم التعامل مع أي خط يثبت أن بياناته لا تخص الشخص المسجل باسمه من خلال إيقاف الخدمة لحين إعادة توثيق الملكية، على أن يقوم المستخدم الفعلي بإثبات هويته وتسجيل الخط باسمه الصحيح.
وأوضح أن هذه الآلية لا تكتفي بإزالة الخط من سجل المواطن المتضرر، وإنما تستهدف تصحيح سجل الملكية نفسه ومنع استمرار استخدام بيانات شخص آخر.
وشدد على أن القول بأن المسؤولية الجنائية شخصية لا يمثل حلًا كاملًا للمشكلة، لأن المواطن الذي تعرض لاستخدام بياناته دون علمه قد يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن نفسه في واقعة لم يرتكبها ولم يكن طرفًا فيها.
التحقق البيومتري.. حل للانتحال أم تحدٍ جديد للخصوصية؟
وأثار فريد كذلك ملف التحقق البيومتري، مؤكدًا أن التوسع في استخدام البيانات البيومترية يجب أن يصاحبه إطار واضح لضمان الخصوصية وحماية البيانات.
وطرح تساؤلات حول طبيعة البيانات التي سيتم جمعها، وما إذا كانت ستُخزن أم ستستخدم فقط أثناء عملية التحقق، والجهة التي ستحتفظ بها، ومدة الاحتفاظ بها، ومن يملك حق الوصول إليها، ومتى يتم حذفها.
ويرى فريد أن معالجة أزمة ناتجة عن ضعف حماية بيانات الهوية يجب ألا تؤدي إلى جمع بيانات أكثر حساسية دون وجود ضمانات واضحة ومعلنة لحمايتها.
البرلمان يطرح الحلول.. والمطلوب كشف أصل الأزمة
وكشفت التحركات البرلمانية المتتالية أن أزمة الخطوط المسجلة دون علم أصحابها لم تعد مجرد مشكلة مرتبطة بتطبيق إلكتروني أو خدمة استعلام، وإنما تحولت إلى ملف يتعلق بحماية الهوية الرقمية للمواطن والمسؤولية القانونية عن استخدام بياناته.
ويركز مقترح جرجس لاوندي على منح المواطن «زر إيقاف الخط» لحظيًا، يطالب محمد عبده بتطوير وإعادة تشغيل My NTRA، ويدفع أشرف مرزوق نحو التحقق البيومتري والمراجعة الشاملة والمحاسبة، بينما يطرح محمد فريد السؤال الأهم: كيف وصل الخط إلى اسم المواطن من الأساس؟ ومن يتحمل مسؤولية الخلل؟
وتتفق التحركات البرلمانية في جوهرها على ضرورة بناء منظومة تمنع تسجيل الخطوط باستخدام بيانات المواطنين دون علمهم، وتوفر في الوقت نفسه مسارًا سريعًا للاعتراض وإخلاء المسؤولية، مع ضمان عدم تحول المواطن إلى الحلقة الأضعف في منظومة يفترض أن تكون إجراءات التحقق فيها مسؤولية الجهات المختصة وشركات الاتصالات.

