في كل صباح هناك طفل يترك سريره الدافئ قبل أن يستيقظ أقرانه ليذهب إلى مكان لا يشبه عمره، يحمل شيئاً أثقل من يديه الصغيرتين ليبحث عن جنيهات قليلة قد تعود إلى بيت ينتظرها في آخر اليوم.
نجده حولنا يبيع شيئاً في الطريق أو يحمل أشياء لا يقوى عليها أو يقف لساعات طويلة تحت الشمس. حتى اعتاد علي الأمر فأصبح لا يتذكر متى كانت آخر مرة لعب فيها دون أن ينظر إلى الساعة أو يفكر في الغد دون أن يحمل هم لقمة العيش.
المؤلم في الأمر أن ذلك الطفل لا يعرف أنه يفقد شيئاً اسمه الطفولة. هو فقط يفعل ما يطلب منه لأنه يحب أسرته ويرى التعب في عيون والديه. وقد يظن أن مساعدته لهم هي الشيء الصحيح الذي ينبغي أن يفعله، لكنه لا يعرف أن هناك سنوات من عمره لن تعود حين تنتهي.
الطفولة ليست رفاهية نمنحها للطفل عندما تسمح الظروف، فهي حق له أن يلعب وأن يذهب إلى مدرسته وأن يكتشف العالم بفضوله الصغير وأن يخطئ دون أن يخاف وأن يجد من يمسح دموعه حين يبكي. وقد تكون هذه أشياء تبدو بسيطة بالنسبة لنا، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع إنساناً قادرا على مواجهة الحياة فيما بعد.
ولكن في نفس الوقت عندما ننظر إلى بعض الأسر التي تدفع أبناءها إلى العمل مبكراً لا ينبغي أن نكتفي بإدانتها فقط، فخلف كثير من هذه القرارات أب أو أم أنهكتهما الحياة وأُغلقت أمامهما أبواب كثيرة وربما تربيا أصلاً على فكرة أن الابن هو السند وأن كثرة الأبناء تعني مزيداً من الأيدي العاملة التي تستطيع حمل أعباء البيت.
فنجد أنفسنا أمام انتقال لأفكار من جيل إلى جيل، دون أن نتوقف لنسأل أنفسنا إن كانت هذه الأفكار ما زالت صالحة لهذا الزمن أم لا، فقد أصبح الطفل في بعض البيوت جزءاً من حسابات المعيشة بدل أن يكون إنساناً له احتياجاته وأحلامه وحقه في أن يكبر بهدوء.
فهو لم يختر أن يولد في أسرة فقيرة ولم يختر الظروف التي جاءت معها ولادته. ولم يكن مسؤولاً عن ضيق الرزق أو ارتفاع الأسعار أو تراكم الديون.
فلماذا يدفع وحده ثمن كل ذلك من سنوات عمره؟
نحن لا نحتاج فقط إلى أن نقول للأسرة لا ترسلوا أبناءكم إلى العمل ولكن نحتاج أن نسأل أنفسنا كمجتمع ماذا سنقدم لهذه الأسرة حتى تستطيع أن تحمي أبناءها؟
الوعي وحده لا يكفي حين يكون الجوع حاضراً على مائدة البيت. والقانون وحده لا يكفي إذا لم يجد الأب الفقير طريقاً آخر لإعالة أسرته. إن حماية الطفل تبدأ من الأسرة لكنها لا تنتهي عندها، فهي مسؤولية مجتمع كامل يؤمن بأن إنقاذ طفل من العمل المبكر لا يعني فقط إبعاده عن الشارع بل يعني أن نمنحه فرصة حقيقية للتعليم والأمان والحياة الكريمة.
فالطفل الذي يعمل اليوم كي يساعد أسرته قد يصبح غداً شاباً حُرم من التعليم ومن اكتشاف موهبته ومن بناء مستقبله. وحينها لا نخسر طفلاً واحداً فقط بل نخسر فرصة كان يمكن أن تغير حياة أسرة بأكملها، وربما أجمل ما يمكن أن نقدمه لطفل هو ألا نطلب منه أن يكبر قبل أوانه.
دعوه يركض خلف كرة في شارع وهو آمن، دعوه يضحك دون أن يخشى الغد، دعوه يحمل حقيبته المدرسية بدلاً من أن يحمل هم بيته، دعوه يحلم بمهنة يحبها بدلاً من أن يفكر كيف سيكسب قوت يومه.
فالطفولة حين تمر لا تنتظر أحدًا. وما نؤجله في طفولة أطفالنا لا نستطيع أن نعيده إليهم حين يكبرون.
هناك أشياء كثيرة يمكن تعويضها في الحياة إلا سنوات الطفولة. لذلك فلنحاول أن نحميها قبل أن تصبح ذكرى مؤلمة لطفل كان يستحق أن يعيشها.