قبل نحو عامين، كُلِّفت بإعداد دراسة لاختيار الوجه الإعلاني المناسب لعلامة تجارية.
بدا الأمر في البداية بسيطًا: مجموعة أسماء لفنانات، ومقارنة بين الشهرة والحضور والجاذبية الجماهيرية، ثم الوصول إلى الاسم الأكثر ملاءمة.
لكن السؤال تغير سريعًا من: من هي الأجمل؟ إلى: من هي الأقدر على تمثيل قيمة العلامة التجارية؟
كان ذلك التحول هو الذي قادني، على نحو لم أكن أتوقعه، إلى إعادة اكتشاف عائشة بن أحمد.
لم تكن الدراسة مسابقة للجمال، فالشركات تستطيع أن تصنع إعلانًا جميلًا مع عشرات الوجوه.
الأصعب هو العثور على شخصية تمنح العلامة التجارية شيئًا من رصيدها، وتحمل صورة ذهنية تقوم على الاحترام والاستقرار والذوق، ولا تصبح عبئًا عليها بعد انتهاء الحملة.
لذلك تابعت الأعمال والحوارات التلفزيونية والصحفية، واستعنت بآراء زملاء في الصحافة الفنية والنقد، وبدأت بعض الأسماء تتراجع وأخرى تتقدم.
وكان اسم عائشة بن أحمد من الأسماء التي دفعتني إلى التوقف.
في البداية، لفتني هدوؤها خارج الشاشة: طريقة حديث لا تقوم على افتعال الجدل، واهتمامات تتجاوز التمثيل إلى الرسم والفنون، ومساحة واضحة تفصل فيها بين حياتها والنجومية.
لكن كل ذلك كان يمكن أن يجعلها شخصية مناسبة لإعلان، لا أن يجعلها بالضرورة ممثلة تستحق مقالًا.
ما غير نظرتي إليها فعلًا كان العودة إلى أعمالها.
الجمال في السينما يمكن أن يكون نعمة، لكنه قد يتحول أحيانًا إلى قيد، فهناك ممثلات تحاصرهن ملامحهن في نوع واحد من الشخصيات، حتى يصبح المطلوب منهن أن يظهرن بالصورة نفسها، مهما تغير اسم العمل.
عائشة بن أحمد، في تقديري، خاضت معركة هادئة للخروج من هذا القالب.
في «نسر الصعيد» لم يكن التحدي أن تؤدي ممثلة تونسية دور فتاة مصرية فحسب، وإنما أن تدخل إلى بيئة شديدة الخصوصية وأن تتحدث بلهجة قد يجد بعض المصريين أنفسهم صعوبة في إتقانها.
والتفاصيل التي روتها عائشة عن استعدادها للدور تكشف شيئًا مهمًا في طبيعة الممثلة التي نتحدث عنها. فقد تدربت على اللهجة الصعيدية في جلسات وصلت إلى أربع مرات أسبوعيًا على مدار ثلاثة أشهر، وشاهدت أعمالًا صعيدية وقرأت عن عادات أهل الصعيد، ولم تتعامل مع اللهجة باعتبارها مجموعة كلمات يجب حفظها، وإنما حاولت الاقتراب من روح الشخصية وطريقة تفاعلها مع المواقف.
هنا تحديدًا تظهر الموهبة في معناها الحقيقي.
الموهبة ليست أن تستطيع البكاء أمام الكاميرا أو حفظ حوار طويل، وإنما أن تمتلك القدرة على بناء إنسان آخر، ثم إقناع المشاهد، ولو لساعات، بأن هذا الإنسان موجود بالفعل.
ولهذا أعتبر «نسر الصعيد» محطة مهمة في قراءة عائشة بن أحمد، ليس لأن المسلسل حقق انتشارًا واسعًا فقط، وإنما لأنه كشف مبكرًا عن استعداد ممثلة لبذل جهد كبير من أجل التفاصيل.
الأهم أنها لم تستثمر نجاح التجربة في إعادة إنتاجها، وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية في تقييم أي ممثل، فالنجاح قد يكون أحيانًا أخطر من الفشل، لأنه يغري صاحبه بتكرار الوصفة التي نجحت.
لكن مسيرة عائشة أخذتها إلى مناطق مختلفة؛ من «ملف سري» و«نزوة»، إلى «مذكرات زوج» ثم «بدون سابق إنذار»، وصولًا إلى «الغاوي».
وفي «مذكرات زوج» تحديدًا ظهر وجه آخر،
شخصية «شيرين» نقلتها إلى مساحة «اللايت كوميدي»، بعيدًا عن الأدوار التراجيدية التي كانت تميل إليها، وحظي أداؤها للشخصية بإشادات جماهيرية ونقدية وقت عرض المسلسل، لتكشف التجربة عن قدرتها على تغيير إيقاعها وليس فقط تغيير ملابس الشخصية أو اسمها.
وهذا هو الفارق بين التنوع الحقيقي والتنقل الشكلي بين الأدوار.
فالممثل المتنوع لا يقدم شخصيات مختلفة على الورق فقط، وإنما يغير أدواته: إيقاع الكلام، ونظرات العين، وحركة الجسد، ودرجة الانفعال، والمسافة التي يتركها بينه وبين الشخصية.
ثم جاء «بدون سابق إنذار» ليضعها أمام اختبار من نوع آخر، في شخصية «ليلى»، الأم التي تجد نفسها في مواجهة مرض طفلها.
هنا لم تكن الشخصية بحاجة إلى استعراض انفعالي بقدر حاجتها إلى السيطرة عليه. وأعتقد أن واحدة من نقاط قوة عائشة كممثلة هي أنها تستطيع في لحظات كثيرة أن تترك الإحساس يصل دون أن تشرحه للمشاهد، فليس كل حزن بحاجة إلى صراخ، ولا كل خوف يحتاج إلى انهيار.
وهذه المنطقة تحديدًا هي التي تستحق أن تتطور فيها تجربتها مستقبلًا، لأنها تمتلك ملامح هادئة يمكن أن تعمل ضدها إذا اكتفت بها، لكنها تتحول إلى أداة تمثيلية شديدة القوة عندما تستخدم هذا الهدوء لإخفاء صراع داخلي.
وأنا أتابع طريقة حديثها عن التحضير للشخصيات، تذكرت نموذجًا ربما نفتقد جانبًا منه حاليًا، الفنان الذي ينظر إلى التمثيل باعتباره حرفة ينبغي أن يظل يتعلمها.
ولا أقارن عائشة بن أحمد بنور الشريف في التاريخ أو المكانة؛ فمثل هذه المقارنة ستكون ظالمة للطرفين.
ما أقصده هو فكرة احترام المهنة.
نور الشريف كان واحدًا من الفنانين الذين جعلوا القراءة والبحث واختيار الشخصية جزءًا من عمل الممثل، وليس شيئًا إضافيًا إليه. وما لفتني في تجربة عائشة هو وجود شيء من هذه الروح: اهتمام بالتفاصيل، واستعداد للدور، ومحاولة للانتقال من منطقة إلى أخرى بدل الاطمئنان إلى ما تحقق.
وحتى عندما تحدثت عن اختياراتها بعد «بدون سابق إنذار»، قالت إنها أصبحت تفكر في تقديم أنواع مختلفة من الأدوار، بعدما عُرفت بميلها إلى التراجيديا.
وبالفعل، ظهرت بعد ذلك في «الغاوي» بشخصية منتجة سينمائية، داخل عالم مختلف وإيقاع أكثر خفة، في خطوة أخرى بعيدًا عن المنطقة التي يمكن أن يكون نجاحها السابق قد حاصرها فيها.
في النهاية، لم تكن أهم نتيجة خرجت بها من دراسة الوجه الإعلاني هي ترتيب أسماء الفنانات.
الأهم بالنسبة لي أنها دفعتني إلى النظر إلى عائشة بن أحمد بعيدًا عن الصورة الأولى التي يمكن أن تفرضها ملامحها.
بدأت الدراسة بالسؤال عن فنانة تستطيع أن تمثل العلامة التجارية أمام الكاميرا، وانتهيت أنا أمام سؤال مختلف تمامًا: لماذا لا نتحدث أكثر عن موهبة هذه الممثلة؟
ربما يختلف آخرون معي في تقييم دور أو مسلسل، وهذا طبيعي، كما أن عائشة ما زالت أمامها اختبارات فنية كثيرة قبل إصدار حكم نهائي على تجربتها.
لكن ما أراه حتى الآن أن أهم ما فعلته هو أنها لم تسمح لجمالها بأن يصبح موهبتها الوحيدة في نظر الجمهور.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن تفعله ممثلة تمتلك حضورًا لافتًا هو أن تجعلنا، بعد دقائق من بداية المشهد، ننسى شكلها ونرى الشخصية.
وهنا تحديدًا تبدأ الموهبة.