أكد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن مصر اتخذت خلال السنوات الأخيرة خطوات سريعة نحو رقمنة منظومة الرعاية الصحية، من خلال التوسع في السجلات الصحية الإلكترونية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوظيف التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، بما يدعم بناء منظومة صحية أكثر كفاءة واستدامة وعدالة في تقديم الخدمات، بالتزامن مع النمو المتسارع لسوق الصحة الرقمية عالميًا، الذي بلغت قيمته نحو 347.4 مليار دولار أمريكي عام 2025، وسط توقعات بوصوله إلى نحو 1.83 تريليون دولار بحلول عام 2033.
وأوضح تقرير صادر عن مركز المعلومات حول مستقبل الصحة الرقمية عالميا وفرص التحول بالقطاع الصحي فى مصر ، أن القانون رقم (2) لسنة 2018 بشأن نظام التأمين الصحي الشامل يمثل إحدى الركائز الأساسية للتحول الرقمي في القطاع الصحي، إذ يستهدف تحقيق التغطية الصحية الشاملة، وتطوير المنشآت الصحية، وتطبيق السجلات الطبية الإلكترونية، وتوحيد معايير الجودة، وبناء القدرات البشرية.
وأشار إلى أن مصر حققت عددًا من الخطوات المهمة في رقمنة الخدمات الصحية، من بينها إنشاء نحو 4.5 مليون ملف صحي إلكتروني داخل محافظات التأمين الصحي الشامل، وإصدار أكثر من 42 مليون روشتة إلكترونية، وتطبيق نظام الإحالة الإلكترونية، واعتماد التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكويد الطبي ونظم التنبؤ بالأمراض.
وأضاف التقرير أن الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية (2025–2029) تستهدف بناء منظومة صحية رقمية متكاملة تتمحور حول المواطن، وتقوم على بنية تحتية رقمية مؤمنة وقابلة للتشغيل البيني، وتوحيد قواعد البيانات الصحية، ودعم متخذي القرار، وتحسين جودة الخدمات، وتشجيع الابتكار والشراكة بين القطاعين العام والخاص.
ولفت إلى أن جائحة كوفيد-19 أسهمت في تسريع تبني الحلول الرقمية في السوق المصرية، بالتوازي مع نمو عدد من شركات التكنولوجيا الصحية المصرية التي تقدم خدمات تشمل حجز المواعيد، والوصفات الإلكترونية، وتوصيل الأدوية، والرعاية المنزلية والصحة النفسية الرقمية، بما أسهم في توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الصحية.
وأكد التقرير أن سوق الصحة الرقمية في مصر يمتلك فرصًا واعدة للنمو خلال السنوات المقبلة، مدفوعًا بارتفاع الطلب على الخدمات الصحية الرقمية، والتوسع في شبكات الاتصالات وانتشار الهواتف الذكية، وارتفاع تكاليف الرعاية التقليدية، والحاجة المتزايدة إلى متابعة مرضى الأمراض المزمنة عن بُعد.
وتتمثل أبرز محركات النمو في مصر في التوسع في استخدام تقنيات التشخيص الذكي لتحسين دقة وسرعة اتخاذ القرار الطبي، وزيادة الاعتماد على الرعاية الصحية عن بُعد ومراقبة المرضى باستخدام الأجهزة الذكية، إلى جانب تنامي الاستثمارات الحكومية والخاصة في رقمنة القطاع الصحي والسجلات الإلكترونية والبنية التحتية الرقمية.
وعلى المستوى العالمي، أشار التقرير إلى أن قيمة سوق الصحة الرقمية بلغت نحو 347.4 مليار دولار أمريكي عام 2025، وسط توقعات بوصولها إلى نحو 1.83 تريليون دولار بحلول عام 2033، بما يزيد على خمسة أضعاف حجمها خلال ثماني سنوات، وبمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 23.4%.
وأوضح أن هذا النمو يعكس تحول الصحة الرقمية إلى أحد المحركات الرئيسية لتطوير نظم الرعاية الصحية عالميًا، مدفوعًا بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية عن بُعد، والسجلات الصحية الإلكترونية، وتطبيقات الصحة المتنقلة، والأجهزة القابلة للارتداء، وإنترنت الأشياء الطبية، إلى جانب تنامي الاستثمارات الحكومية والخاصة في البنية التحتية والمنصات الصحية الرقمية.
وأشار التقرير إلى أن مفهوم الصحة الرقمية لم يعد يقتصر على رقمنة بعض الخدمات الصحية، وإنما أصبح يشمل منظومة متكاملة من التقنيات والحلول الرقمية التي تدعم مختلف مراحل الرعاية الصحية، بدءًا من الوقاية والتشخيص، مرورًا بالعلاج، وصولًا إلى المتابعة وإدارة الخدمات الصحية، بما يسهم في تحسين جودة الرعاية ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز قدرة المواطنين على الوصول إلى الخدمات.
ولفت إلى أن جائحة كوفيد-19 سرعت هذا التحول عالميًا، مع التوسع في خدمات الرعاية الصحية عن بُعد، وتطبيقات المتابعة الرقمية، وبوابات المرضى الإلكترونية، وأدوات الإدارة الذاتية للأمراض، بما ساعد على استمرار تقديم الخدمات وتقليل الضغط على المستشفيات وتحسين الوصول إلى الرعاية، خاصة في المناطق النائية.
وتُعد السجلات الصحية الإلكترونية إحدى أهم ركائز التحول الرقمي الصحي، إذ تتيح سجلًا رقميًا متكاملًا للتاريخ الطبي للمريض والأدوية والفحوصات والتقارير والعلامات الحيوية، بما يدعم اتخاذ القرار السريري، ويرفع جودة الرعاية، ويعزز التكامل وتبادل المعلومات بين المؤسسات الصحية المختلفة.
كما شهدت تطبيقات الصحة المتنقلة والأجهزة القابلة للارتداء نموًا متسارعًا، مع الاعتماد على الهواتف والأجهزة الذكية في متابعة ضغط الدم ومعدلات ضربات القلب ومستويات السكر والنشاط البدني، بما يدعم الوقاية والإدارة الذاتية للأمراض المزمنة.
وأصبح الذكاء الاصطناعي، وفق التقرير، أحد أبرز محركات الصحة الرقمية عالميًا، لما يوفره من قدرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات الصحية، وتحسين دقة وسرعة التشخيص، والتنبؤ بالمضاعفات، ودعم القرار الطبي، فضلًا عن دوره في تطوير الطب الشخصي وتصميم خطط علاجية تتلاءم مع الخصائص الجينية والسريرية ونمط حياة كل مريض.
وفي الاتجاه ذاته، يسهم إنترنت الأشياء الطبية (IoMT) في ربط الأجهزة الطبية وأجهزة الاستشعار بالمنصات ونظم المعلومات الصحية، بما يسمح بالمراقبة المستمرة للمرضى ونقل البيانات بصورة لحظية، خاصة في مجال الأمراض المزمنة والرعاية المنزلية، فيما توفر تقنيات مثل البلوك تشين إمكانات إضافية لتعزيز أمن البيانات وشفافية إدارتها وقابلية تبادلها بين مقدمي الرعاية الصحية.
وأوضح التقرير أن أمريكا الشمالية تستحوذ على أكبر حصة من سوق الصحة الرقمية عالميًا، نتيجة تطور البنية التحتية الرقمية وارتفاع الإنفاق على تكنولوجيا المعلومات الصحية وانتشار السجلات الصحية الإلكترونية، فيما تشهد أوروبا نموًا متزايدًا مدعومًا بسياسات التحول الرقمي وإدارة الأمراض المزمنة.
تُعد منطقة آسيا والمحيط الهادئ الأسرع نموًا، نتيجة ارتفاع الإنفاق الصحي والدعم الحكومي وانتشار الهواتف الذكية والتوسع في المنصات الصحية الإلكترونية، خاصة في دول مثل سنغافورة واليابان وأستراليا والهند، كما تشهد أمريكا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا توسعًا في تطبيقات الصحة الرقمية، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالبنية التحتية والأطر التنظيمية وحماية البيانات.
وعلى مستوى مكونات السوق، تستحوذ البرمجيات الصحية على الحصة الأكبر، مدفوعة بالتوسع في استخدام السجلات الصحية الإلكترونية ومنصات إدارة المرضى وحلول دعم القرار السريري، بينما يتزايد الطلب على خدمات التركيب والتدريب والصيانة والتشغيل، فيما تتصدر الرعاية الصحية عن بُعد التقنيات المستخدمة داخل السوق، يليها قطاع الصحة المتنقلة الذي يستفيد من الانتشار الواسع للهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء.
ومن حيث التطبيقات، يحتل مرض السكري المرتبة الأولى في استخدام حلول الصحة الرقمية، في ضوء الحاجة إلى المتابعة المستمرة وقياس مستويات الجلوكوز والمراقبة عن بُعد، تليه تطبيقات علاج السمنة وإدارة الوزن التي تعتمد على متابعة النشاط البدني والتغذية والتوجيه السلوكي عبر التطبيقات الذكية.
وسلط التقرير الضوء على العائد الاقتصادي المرتفع للاستثمار في الصحة الرقمية، موضحًا أن تقديرات دولية تشير إلى أن تطبيق مجموعة من التدخلات الرقمية، من بينها الرعاية الصحية عن بُعد والرسائل الصحية وروبوتات المحادثة الذكية، يمكن أن يسهم في إنقاذ أكثر من 2.1 مليون شخص عالميًا بحلول عام 2033، وإضافة نحو 4.9 ملايين سنة حياة.
كما تشير التقديرات إلى إمكانية تحقيق مكاسب اقتصادية تتجاوز 199 مليار دولار أمريكي، مقابل استثمارات تقدر بنحو 9.8 مليارات دولار، بما يعكس الإمكانات الكبيرة للصحة الرقمية في تحسين كفاءة الإنفاق الصحي، وخفض تكاليف علاج الأمراض المزمنة، وتعزيز إنتاجية القوى العاملة.
ورغم هذه الفرص، يواجه التحول نحو الصحة الرقمية عالميًا عددًا من التحديات، في مقدمتها تزايد مخاطر الهجمات السيبرانية وحماية البيانات الصحية، وغياب الأطر التنظيمية الموحدة، ومحدودية التشغيل البيني وتكامل الأنظمة الرقمية المختلفة، وارتفاع تكاليف التحول، ونقص الكفاءات البشرية المتخصصة، إلى جانب تفاوت جاهزية البنية التحتية الرقمية بين الدول.
وأكد التقرير أن تسريع التحول الرقمي الصحي في مصر يتطلب التعامل مع عدد من التحديات، وفي مقدمتها حماية خصوصية وأمن البيانات الصحية، وتعزيز الأمن السيبراني، وضمان قابلية التشغيل البيني وتكامل قواعد البيانات والأنظمة الصحية المختلفة، إلى جانب خفض تكاليف التطبيق، وتطوير الكفاءات المحلية المتخصصة، ووضع أطر تنظيمية وقانونية قادرة على مواكبة التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية.
وخلص التقرير إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من رقمنة الخدمات الصحية بصورة منفردة إلى بناء منظومة صحية رقمية متكاملة ومترابطة، ترتكز على حوكمة البيانات والتشغيل البيني والأمن السيبراني وتنمية الكفاءات، مع تعزيز بيئة الابتكار ودعم شركات التكنولوجيا الصحية، بما يسمح لمصر بالاستفادة من النمو العالمي المتسارع لهذا القطاع، وتحويل التحول الرقمي الصحي إلى أداة لتحسين جودة الخدمات وكفاءة الإنفاق، وفي الوقت نفسه إلى مجال واعد للاستثمار والنمو الاقتصادي.