ألقى الدكتور محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة، صباح اليوم في مركز مصر الثقافي الإسلامي بالعاصمة الجديدة، كلمةً في ختام فعاليَّات البرنامج المصري– الفلبِّيني للقيادات الدينيَّة للحوار والتعايش وبناء السلام، الذي نظَّمته وزارة الأوقاف تحت عنوان: (التجرِبة المصريَّة في التعايش السلمي وبناء مجتمع يتَّسع للجميع)، بمشاركة وفد مجلس الأساقفة الكاثوليك بجمهوريَّة الفلبِّين.
وأكَّد الدكتور الجندي في كلمته أنَّ ترسيخ قِيَم السلم والتسامح في الأفعال والممارسات أصبح ضرورةً وجوديَّة، مشيرًا إلى أنَّ اختلاف الأديان والثقافات والألوان لا ينبغي أن يكون سببًا للصراع؛ وإنما يمكن أن يكتمل في إطار إنساني واحد قوامه السلام والتفاهم والاحترام المتبادل.
نماذج حضارية مشرقة
وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة أنَّ التاريخ الإنساني يقدِّم نماذجَ مشرقةً تؤكِّد أنَّ الحضارة الحقيقيَّة تحتضن الجميع، وفي مقدِّمتها: وثيقة (المدينة المنوَّرة)، التي أرست منذ السنة الأولى للهجرة مبادئ البر والقسط في التعامل الإنساني، وأسَّست لنموذج يقوم على احترام التنوُّع ونبذ العنصريَّة والتمييز.
وشدَّد فضيلته على أنَّ تحقيق السلام والأمن المستدامين يتطلَّب إعداد أجيال قادرة على تحليل الأفكار وإعمال العقل، وصياغة خطاب يعزِّز السلام والأمن ويواجه الخطابات التي تغذِّي الصراع والكراهية، مؤكِّدًا ضرورة ترسيخ ثقافة الحوار البناء والتسامح الديني، وإدراك أنَّ الأديان في جوهر رسالاتها تدعو إلى صون الإنسان وحفظ كرامته وإقامة عَلاقاته مع الآخرين على أساس البر والقسط.
وأشار إلى أنَّ رسالة البرنامج المصري–الفلبيني تؤكِّد أنَّ مستقبَل الإنسانيَّة لا يمكن أن يُبنى على العصبيَّة والتمييز؛ وإنما على الانفتاح والتسامح وإتاحة مساحات حقيقيَّة للتعايش بين الأديان والثقافات، لافتًا إلى أنَّ التسامح الديني حجرٌ أساسٌ في البناء الحضاري للمجتمعات.
كما أكَّد الدكتور محمد الجندي أنَّ نبذ التمييز يمثِّل مسئوليَّةً أساسيَّةً تقع على عاتق القيادات الدينيَّة؛ لما يسبِّبه التمييز الديني والعرقي من أضرار تهدِّد استقرار المجتمعات، موضِّحًا أنَّ مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على النصوص القانونية؛ وإنما تحتاج إلى ثقافة وسلوك حضاري وفهم عميق لمعنى العدل الإنساني.
ولفت الدكتور الجندي إلى أنَّ الحوار الحقيقي يعني احترام الإنسان حق الآخرين في عقائدهم، وحفظ خصوصيَّة كل مكوِّن، وإدارة الاختلافات بروحٍ مِنَ السلام والتسامح والتعايش الآمن، دون تحويل الاختلاف الديني أو الثقافي إلى ذريعة للإقصاء أو الكراهية.
وتابع الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة أنَّ الأزهر الشريف يؤكِّد أنَّ الشراكات الحضاريَّة ينبغي أن تحلَّ محلَّ الصراعات الحضاريَّة، وأنْ تتكامل الدول والحضارات في تبنِّي خطاب عالمي عادل ومتوازن يعيد للإنسان إيمانه وأمانه، وللعقل مكانته، ويواجه نزعات الاستعلاء والكراهية.
واستعرض فضيلته عددًا من جهود الأزهر الشريف في تعزيز قيم التعايش والسلام، وفي مقدِّمتها: إنشاء (بيت العائلة المصريَّة)، الذي جمع المسلمين والمسيحيين في إطار مؤسَّسي يعزِّز التماسك المجتمعي، إلى جانب مبادرات الأزهر للحوار والتواصل الحضاري -منها: (حوار الشرق والغرب)، و(صنَّاع السلام)- التي حملت رسائل الأزهر الداعية إلى التعايش والسلام إلى العالَم.
وتناول الدكتور محمد الجندي التحديات التي يفرضها الفضاء الرَّقْمي في تشكيل وعي الأفراد والمجتمعات، مبيِّنًا أنَّ التطوُّر التقني وما يصاحبه من تدفُّق هائل للمعلومات يفرض على المؤسسات الدينيَّة والثقافيَّة تعزيز الشراكات وتوجيه هذا الفضاء وَفق معايير أخلاقيَّة تسهم في نشر التفاهم والتكامل، بدلًا من تأجيج الصراع والانقسام.
كما أشار الدكتور الجندي إلى أنَّ رسالة الأزهر الشريف تتمثَّل في إعادة القِيَم الدينيَّة إلى حياة الناس بما يقرِّبهم مِنَ الله، وينفع بهم مجتمعاتهم، ويدفعهم إلى حسن معاملة جميع الناس في إطارٍ مِنَ السلام والتعايش، مشدِّدًا على أنَّ الحضارات تتساند ولا تتصادم، وأنَّ تنوُّعها يمكن أن يكون مصدر قوَّةٍ لبناء عالَم تُصان فيه الكرامة الإنسانيَّة وتُحترَم فيه الأديان والثقافات.
واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة بتأكيد أنَّ البشريَّة أحوج ما تكون اليوم إلى التسامح والتعايش السلمي ونبذ العنصريَّة والتمييز وإعلاء قيمة الحوار، لا سيَّما في ظلِّ ما يشهده العالَم من حروب ومنازعات، مؤكِّدًا أنَّ التعاون بين القيادات والمؤسسات الدينيَّة يمثِّل ضرورةً لبناء جسور السلام وتعزيز الأمن والاستقرار الإنساني.








