قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن مفهوم التوبة لدى كثير من الناس يرتبط فقط بالذنوب والمعاصي، بينما حقيقتها أوسع من ذلك بكثير، فهي رجوع إلى الله، ومراجعة للنفس، ومحاسبة صادقة للسلوك والعمل والنية.
وأوضح علي جمعة، في منشور عبر صفحته على موقع فيس بوك، أن التوبة لا تقتصر على مجرد التلفظ بكلمات الاستغفار، وإنما هي حالة يعيشها المؤمن مع نفسه، فيراجع تقصيره، ويحاسب أعماله، ويصحح طريقه، ويعود إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى.
توبة النبي مع عصمته
وأشار علي جمعة إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رغم عصمته، كان كثير الاستغفار والتوبة، وكان يقول: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً».
وأوضح أن توبة النبي لم تكن من معصية، حاشاه، وإنما كانت دوامًا للرجوع إلى الله، وإظهارًا للافتقار إليه، وتجديدًا للصلة به، وتعليمًا للأمة بأن الإنسان لا يستغني عن مراجعة نفسه مهما علا قدره.
وأضاف أن التوبة تقتضي من الإنسان أن يترك كل حال لا يرضي الله، سواء تعلق الأمر بعلاقته مع ربه، أو معاملته للناس، أو عمله، أو حياته العامة.
وتابع علي جمعة أن المؤمن مطالب بأن يسأل نفسه باستمرار: هل أنا في موضع يحبه الله؟ وهل عملي يرضيه؟ وهل قولي نافع؟ وهل معاملتي عادلة؟ وهل أدائي أمين؟
وأكد أن الإنسان لا يستطيع الوصول إلى هذه الحالة بحوله وقوته وحدهما، وإنما بعون الله وتوفيقه، موضحًا أن قول «لا حول ولا قوة إلا بالله» من كنوز الجنة؛ لأنه يعلّم المؤمن أن يستمد من الله القوة على الطاعة والعون على ترك المعصية.
الاستغفار والتوبة
ولفت علي جمعة إلى أن القرآن الكريم جمع بين الاستغفار والتوبة، فقال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} [هود: 3].
وأوضح أن الاستغفار هو طلب المغفرة والعون، بينما التوبة تعني الرجوع العملي إلى الطريق المستقيم، ومن هنا يكون للتوبة أثر في حياة الإنسان بالدنيا، إلى جانب أثرها في الآخرة، لما تحققه من إصلاح للنفس، واستقامة في العمل، وطمأنينة للقلب، وحسن للعاقبة.
التوبة الصادقة وبداية جديدة
وأشار عضو هيئة كبار العلماء إلى أن التوبة الصادقة لا تقوم على خداع النفس أو تحسين الصورة أمام الآخرين، وإنما تحتاج إلى الصراحة والشفافية، مؤكدًا أن المؤمن لا يهرب من عيوبه ولا يبرر أخطاءه بالأعذار، بل يعترف بخطئه ويندم عليه ويعزم على عدم العودة إليه ويبدأ من جديد.
وأكد أن من رحمة الله أن باب التوبة يظل مفتوحًا أمام العبد مهما عظمت ذنوبه، مستشهدًا بقول الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].
وتابع علي جمعة بالإشارة إلى قصة الرجل الذي قتل مائة نفس، ثم أراد التوبة، فدله العالم على أن باب التوبة مفتوح، وأمره بمغادرة أرض السوء والتوجه إلى أرض يعيش فيها قوم صالحون يعبدون الله.
وأوضح أن هذه القصة تحمل معنى مهمًا، وهو أن التوبة تحتاج إلى العلم الصحيح، والبيئة الصالحة، والصحبة التي تعين الإنسان على الاستقامة.
واختتم علي جمعة حديثه بالتأكيد على أن التوبة ليست هروبًا من الدنيا إلى الآخرة، وإنما هي إصلاح للحياة على نور الآخرة، وليست مجرد شعور عابر بالندم، بل بداية لوعي جديد وعمل جديد وصدق جديد مع الله والنفس والناس.

