قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

منال الشرقاوي تكتب: لغة السينما تعبر الحدود

منال الشرقاوي
منال الشرقاوي

تقف ساندرا في قاعة المحكمة الفرنسية في فيلم Anatomy of a Fall، محاطة بأشخاص يحاول كل منهم أن يعيد تركيب حياتها بطريقته. هي ألمانية تعيش في فرنسا، وتتنقل بين الفرنسية والإنجليزية خلال شهادتها، كأنها تتحرك بين مساحتين نفسيتين أكثر منها بين لغتين. في لحظة تصبح اللغة أداة للدفاع عن الذات، وفي لحظة أخرى تتحول إلى علامة على المسافة بينها وبين المجتمع الذي يحيط بها. هذا الانتقال، الذي يعرف لغويًا باسم Code-switching أو التناوب اللغوي، يمنح الحوار وظيفة أعمق؛ فاختيار اللغة نفسه يصبح جزءًا من بناء الشخصية ومن طريقة توزيع القوة داخل المشهد.
ومن هذه القاعة الصغيرة يمكن أن نخرج إلى مشهد أوسع بكثير. فالسينما المعاصرة تتحرك اليوم بين البلدان بالطريقة نفسها التي تتحرك بها شخصياتها بين اللغات. المخرج يأتي من مكان، والتمويل يأتي من أكثر من دولة، والممثلون يحملون خلفيات ثقافية متعددة، ثم يبدأ الفيلم رحلته عبر المهرجانات والأسواق والمنصات. وهنا يكتسب مفهوم السينما العابرة للحدود Transnational Cinema حضوره، باعتباره وصفًا لأفلام تتشكل عبر حركة البشر ورؤوس الأموال والأفكار واللغات معًا.
كان من السهل قديمًا أن نقول فيلم فرنسي، أو إيطالي، أو مصري، كأن هوية الفيلم تشبه خانة الجنسية في جواز السفر. واليوم صار الجواز نفسه أكثر امتلاء بالأختام. فيلم تدور أحداثه في الجزائر قد يحمل إنتاجًا فرنسيًا وبلجيكيًا ودنماركيًا، وفيلم فلسطيني قد يجد دعمه في أكثر من عاصمة، وفيلم مصري يمكن أن يبدأ من حي شعبي في القاهرة ثم يصل إلى كان محمولًا على شبكة إنتاج دولية واسعة. وفي هذه الرحلة تصبح اللغة أكثر من حوار.
في أفلام الهجرة والحدود مثل Green Border، تمنح اللغة صاحبها موقعًا داخل العالم. من يفهم لغة المكان يملك قدرة أكبر على السؤال والتفاوض وفهم ما يجري حوله. المترجم نفسه يتحول إلى حلقة قوة، لأن المعنى يمر عبره قبل أن يصل إلى الطرف الآخر. وهكذا تكتسب الكلمات وزنًا جغرافيًا وسياسيًا، وتصنع مسافات بين الناس تشبه المسافات التي تصنعها الحدود.
ثم تأتي الترجمة المكتوبة على الشاشة لتضيف طبقة جديدة إلى الحكاية؛ إذ يجلس مشاهد في القاهرة أمام فيلم بولندي، أو يشاهد متفرج فرنسي فيلمًا تونسيًا، وتصبح بضعة أسطر صغيرة أسفل الصورة مسؤولة عن حمل عالم كامل من ثقافة إلى أخرى. هنا يتحول Subtitling  إلى فعل تأويلي؛ فالمترجم يختار، ويختصر، ويبحث عن مقابل لنكتة محلية أو تعبير عامي أو حتى شتيمة تحمل نبرة اجتماعية دقيقة.
الجملة المصرية البسيطة مثل «يا عم فكك» تحمل داخلها طبقة اجتماعية ونبرة وعلاقة بين شخصيتين. حين تنتقل إلى لغة أخرى، تحتاج إلى صياغة تحمل المعنى وتخسر شيئًا من الإيقاع المحلي. عند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر إثارة؛ حين يعرف صانع الفيلم منذ البداية أن عمله سيجوب العالم، كيف يكتب الحوار؟ كيف يحافظ على خصوصية المكان ويمنح المشاهد الأجنبي مفتاحًا للدخول إليه؟
وهنا يدخل الإنتاج المشترك Co-production  إلى قلب المسألة. فهو يفتح أبواب التمويل والخبرة والتوزيع والمهرجانات، ويمنح الحكاية المحلية فرصة للسفر بعيدًا. وفي الوقت نفسه يخلق ما يمكن تسميته القابلية للقراءة الدولية؛ أي قدرة الفيلم على تقديم عالم محلي يستطيع مشاهد من ثقافة أخرى أن يفهمه ويتفاعل معه.
تظهر هذه المعادلة بوضوح في The Blue Caftan  لمريم التوزاني. الحكاية مغربية شديدة الالتصاق بالمكان، واللغة والعلاقات والإيقاع كلها تنبع من البيئة نفسها، بينما تمتد خريطة الإنتاج عبر عدة دول أوروبية وعربية. هنا يصبح التمويل الدولي وسيلة لتوسيع مدى الصوت المحلي، ويكتشف الفيلم مفارقة جميلة؛ فكلما تعمق في خصوصيته، ازدادت قدرته على السفر.
وتتكرر الفكرة بصورة مختلفة في الفيلم المصري Aisha Can’t Fly Away  لمراد مصطفى. الحكاية تبدأ من عين شمس، من مدينة مزدحمة بلغات ولهجات ووجوه قادمة من أماكن مختلفة. وجود مهاجرة أفريقية في مركز الحكاية يغير الطريقة التي نرى بها القاهرة نفسها؛ فالمدينة تظهر كفضاء متعدد الأصوات والانتماءات، وتصبح اللغة جزءًا من تكوين المكان بقدر الشوارع والمباني.
من هنا يبدو أن الفيلم المعاصر يحمل أكثر من لسان. هناك لغة الشخصيات، ولغة المنتجين، ولغة صناديق التمويل، ولغة المهرجانات، ثم لغة الترجمة التي تسافر بها الحكاية إلى جمهور جديد. وعندما تتقاطع هذه اللغات تتشكل هوية سينمائية أكثر مرونة، هوية تحمل آثار المكان الذي خرج منه الفيلم وآثار الطريق الذي قطعه حتى يصل إلينا.
ربما لهذا تبدو ساندرا في قاعة المحكمة صورة مناسبة للسينما المعاصرة كلها. تختار لغتها لحظة بلحظة، وتعيد صياغة نفسها وهي تتكلم، وتبحث عن أقرب طريق يصل صوتها إلى الآخرين. والسينما اليوم تفعل الشيء نفسه؛ تعبر الحدود، وتغير لغاتها، وتبحث في كل رحلة عن الصيغة التي تجعل الحكاية مفهومة للعالم ومخلصة في الوقت نفسه للمكان الذي ولدت فيه. وكأن كل فيلم، مهما ابتعد في سفره، يحمل في جيبه حفنة من تراب الحكاية الأولى، ورائحة المكان الذي خرج منه. وكلما عبر شاشة جديدة، ترك عليها شيئًا من ذلك التراب؛ ربما في نبرة صوت، أو ملامح وجه، أو كلمة تعبر الترجمة وتصل إلى السامع وهي تحمل معها أثر الرحلة.