العطاء القائم على لغة الإيثار، وقيمة الود والتواصل، عبر بوابة المهادَاة؛ بغرض غرس بذور المحبة في القلوب، يُعد تعبيرًا عن التقدير والاحترام والاهتمام والممارسة التي تستهدف تعزيز الألفة، وتخصيب المشاعر الجياشة؛ فيصير الوجدان إيجابيًا، ويصبح مهيأً على الدوام لاستقبال كل ما يؤدي إلى دروب السعادة والبهجة، عند اللقاء والفراق على السواء، وهذا يؤكد استقرار الحالة بين الطرفين، وأخص منهما في هذا المقام المتواضع الزوجين على وجه التحديد.
وخصوصية المهادَاة بين الزوجين تعبر عن فلسفة غائبة عن الأذهان؛ ألا وهي الاعتراف بالآخر، وبدوره، وبكيانه الذي يشكل بؤرة الاهتمام والرعاية ومناط التفكير، فهناك من يعاني قصورًا في التعبير بالكلمة، وآخر تجرفه مجريات تفاصيل الحياة، وثالث يصعب عليه أن يشير إلى ما يجوش في صدره علانية، ورابع تأخذه ضغوطات تزداد وتيرتها ولا تتوقف؛ لذا تأتي اللغة غير اللفظية لتترجم عما تكنه الأرواح، بقيمة لها أصل في حياة الإنسان منذ أن خُلق على وجه البسيطة، وعلى هذه العتبة المثمرة تزول الخلافات، وتقل التوترات، وتزول الهموم، ويتبدد الإرهاق والنصب، ويحل الحب ليشغل مكانة كبرى في القلوب.
وأرى أن فلسفة المهادَاة تقوم على فكرة التحول من حالة الصخب والضجيج والانفعالات الناتجة عن تفاعلات معتادة، إلى حالة من اتزان المشاعر والسكينة والطمأنينة والارتياح، وهنا يتنامى الشعور بالأمان الداخلي، وينخفض معدل القلق والتوتر، وتزول الانفعالات بكافة أنواعها، ويحدث الاستقرار المنشود؛ حيث تسود حالة من الرضا، وترتفع الثقة، ولا أبالغ في القول إذا أشرت إلى أن الهدية، بغض النظر عن قيمتها المادية، تساعد في ترميم الآثار الناجمة عن التعاملات الإنسانية القائمة على تباينات حادة في وجهات النظر والرؤى المختلفة، في كثير من الأوقات، بين الزوجين، كونها تؤكد ماهية الاهتمام، وتحيي ذكريات تطيب لها النفوس.
وتأتي قناعتنا بتعزيز ثقافة المهادَاة لدى الزوجين من كونها أداة نستطيع من خلالها فتح مسارات للحوار باتت مغلقة، فنتبادل وجهات النظر وفق فلسفة مشاعر متبادلة، تؤكد وشائج الرباط والمعزة، كما تسمح للقلوب بتقبل ماهية الاعتذار تجاه ما يقترفه الإنسان من ممارسات غير مقصودة، أو حتى ما يكون له مبرر منطقي من وجهة نظره حينها، ومن ثم تسهم المهادَاة في اضمحلال لغة النزاعات داخل سياج الأسرة، الناتجة عن صعوبة في الفهم، أو ضعف في تقدير الأمور، أو توترات تنهمر من كبت تعرض له الفرد، وهنا نقول إن الهدية تعمل على تلطيف الأجواء، بل تمتص مساحة التوتر، وتحد قطعًا من وتيرة الغضب لدى الطرفين.
وهناك من ينظر إلى المهادَاة باعتبارها أحد دعائم الصحة النفسية للعلاقة الزوجية بشكل صريح، لكن الأمر يحتاج إلى توضيح، حيث إن قيمتها الرمزية بمثابة رسالة تشير في مكنونها إلى الحب المتبادل، إذ تحيي لغة الرومانسية، وتؤدي إلى التقارب الوجداني، وتزيد من المودة، وتقضي على سلبيات الروتين، وتخفف من وتيرة الضغوط، وتؤكد الصورة الإيجابية لدى كل طرف على حدة، وتعزز السلوكيات اللطيفة؛ بما يزيد من الهدوء والانسجام بين الزوجين.
وللكرم بين الزوجين آثار إيجابية تنعكس دومًا على معدل المشاعر، من حيث العمق والسطحية، وأرى أن الوقت المناسب لتقديم الهدية يضاعف أثرها، فيفضل أن نقدمها عند الشعور بالتعب والإرهاق، وأثناء القيام بأعمال مضنية، وفي حالات المرور بأوقات عصيبة، وفي المناسبات التي تشكل أهمية مشتركة، أو حتى خاصة لدى الزوجين؛ حينئذ تغدو الابتسامة واضحة، وتصبح الكلمات المعبرة عما يدور في خلجات القلوب حاضرة على الشفاه، إنها لحظات نخلق منها سعادة تبهج الأفئدة، وتورث الرضا، فما أجمل من أن نبدد المشاعر السلبية، ونعظم الإيجابية؛ كي تصبح بيوتنا عامرة بالود والمحبة المتبادلة.