ثمة قلق عالمي يتفشي بين مختلف الأوساط السياسية، وهمس تتناقله الأسماع ثم تتعالي نبرته ليتحول إلى مانشيتات صحفية وحوارات إعلامية..
الألسنة اعتادت منذ سنوات أن تلوك فكرة أن العالم يقف على أعتاب حرب كونية جديدة منذ اقتحام روسيا لأوكرانيا عام 2022 حينما انفتح شق واسع في النظام الدولي، ولم يعد العالم بعده إلى ما كان عليه من طمأنينة واستقرار..
ثم جاءت الحرب الإيرانية لتفتح شقاً آخر في قلب الشرق الأوسط، وتضع الطاقة والممرات البحرية والقواعد العسكرية والتحالفات الدولية في قلب مواجهة لا تزال تتسع وتثير المخاوف..
اليوم تتراكم فوق المشهد المرتبك إشارات أخرى، أوروبا ترفع جاهزيتها وتدعو مواطنيها للاستعداد للأزمات وتعيد بناء قدراتها الدفاعية، فيما تتسع دائرة الحرب في الشرق الأوسط وتتزايد المخاطر حول مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
إنها، في ظاهرها، صراعات متفرقة؛ لكن خيوطها تتقاطع في العمق حتى تكاد ترسم لوحة واحدة مريعة.. إن كرة الثلج تتدحرج، وتتضخم شيئاً فشيئاً؛ من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، ومن ساحات القتال إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.. وحينما تصل إلى منتهي طريقها الشائك قد نفاجأ باحتدام الأمور بأسرع مما نظن.
كثير من مراكز الدراسات والأمن الأوروبية تتعامل الآن مع عام 2027 باعتباره عاماً بالغ الحساسية، وتذهب بعض التقديرات إلى احتمال مواجهة عسكرية روسية ـ أوروبية أشد وطأة وأعمق أثراً إذا استمر المسار الراهن بنفس الوتيرة.
وما يجري الآن فى النقاط الساخنة من العالم يوحي بأن الدول لم تعد تنتظر الإجابة عن سؤال ما القادم، بل تستعد بالفعل للأسوأ!
القادم صادم
ثمة لحظات مصيرية في التاريخ لا تأتي فيها الأخبار الكبرى فرادي بل متتابعة كقطع بازل صغيرة من صورة لا ندري متي تكتمل.. خبر عن تحركات عسكرية هنا، وتحذير مدني هناك، وقفزة في أسعار الطاقة، واجتماع سياسي مغلق، وطائرات تعيد رسم مساراتها، ودول تطلب من مواطنيها الاستعداد لأيام من العزلة أو انقطاع الإمدادات! وكل خبر، منفرداً، قد يبدو قابلاً للتفسير؛ لكن جمعها معاً يطرح سؤالاً أكثر خطورة ما الذي يتشكل في الخلفية؟ وما القادم؟
سوف أتقمص دور المنكر لنظرية المؤامرة التي تتوقع حرب عالمية وشيكة.. لكنني أيضاً لن أغفل إرهاصات تلك النظرية التي أتمني خطأ افتراضاتها.. ثمة حرب ممتدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وتصعيد حوثي يضغط على السعودية وممرات الطاقة، واضطراب متواصل في مضيق هرمز، وحرب روسية ـ أوكرانية تزداد اشتعالاً .. وعلى الناحية الأخري نري أوروبا تتحرك بقلق وتوتر فى إطار نظرية الحرب الكونية..
لقد رأينا خلال العام الحالي كيف أن الاتحاد الأوروبي دفع باتجاه استراتيجية أوسع للاستعداد للأزمات، تشمل الكوارث الطبيعية والأوبئة والمخاطر الجيوسياسية، ووصلت التوصيات الأوروبية لتخزين المؤن استعداداً لتهديدات وشيكة محتملة.. وفي بريطانيا، نشرت السلطات المحلية بالفعل إرشادات عملية تدعو الأسر إلى امتلاك مؤن تكفي 72 ساعة، بما في ذلك المياه والأغذية طويلة التخزين ومصادر الإضاءة والاتصال! أما سويسرا، التي لطالما امتلكت ثقافة متقدمة في الاستعداد للطوارئ، فتوصي الأسر حالياً باحتياطي من الغذاء لنحو أسبوع، ومياه ومستلزمات أساسية وأجهزة راديو وبطاريات، مع التأكيد على أن الأزمات قد تتسبب في اختناقات مؤقتة في سلاسل الإمداد!
هذه التفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى إجراءات احترازية عادية، لكنها تكتسب معنى مختلفاً حين تأتي في إطار أكبر مواجهة عسكرية على أراضي القارة منذ الحرب العالمية الثانية.. فالمعادلة الأوروبية تغيرت ولم يعد التخطيط للطوارئ مقصوراً على الفيضانات والحرائق والأوبئة، وإنما صار يتضمن بصورة متزايدة احتمال تعطل البنية التحتية والطاقة والاتصالات والنقل نتيجة أزمات أمنية أو عسكرية..
موسكو وساعات الحسم
في اليوم نفسه تقريباً الذي تتزايد فيه الدعوات الأوروبية لرفع الجاهزية، تعرضت موسكو ومحيطها لأحد أوسع هجمات المسيّرات الأوكرانية منذ بدء الحرب؛ حيث أفادت السلطات الروسية بإسقاط أكثر من 1600 مسيّرة في أنحاء مختلفة، بينها مئات استهدفت منطقة موسكو، مع إصابات وأضرار طالت منشآت وبنية تحتية، بينها مصفاة موسكو النفطية! ووصفت السلطات الهجوم بأنه من أكبر الهجمات التي تعرضت لها العاصمة الروسية.
وبالتوازي، استمرت روسيا في ضرب المدن والبنية التحتية الأوكرانية، فيما دفعت حوادث مرتبطة بالحرب دولاً في شرق أوروبا إلى رفع درجة الاستعداد.. وفي سبتمبر أيضاً اضطرت بولندا إلى تحريك طائراتها مع تصاعد الهجمات الروسية على أوكرانيا.. أي أننا أمام حرب تتسع جغرافياً وتقنياً باستمرار..
لهيب الشرق
وإذا كانت أوروبا تستعد لاحتمالات التصعيد، فإن الشرق الأوسط يعيش التصعيد بالفعل؛ فالحرب الأميركية ـ الإسرائيلية ضد إيران لم تعد حدثاً قصير الأمد محدود الأثر.. وتهديدات ترامب بمحو إيران عادت لتتصدر مانشيتات الأنباء.. وفي الأيام الأخيرة تعرضت الرياض لهجمات صاروخية ومسيرات أعلنت جماعة الحوثي مسئوليتها عنها، بينما انعكس القلق مباشرة على أسواق الخليج.. الأخطر أن المسألة لم تعد مرتبطة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة وحدها، فكلما اقتربت النيران من منشآت الطاقة والمطارات والموانئ والممرات البحرية، اتسعت دائرة التأثير لتشمل الاقتصاد العالمي كله..
إن تهديد حركة السفن وناقلات النفط بمضيقي باب المندب وهرمز لا يؤدي فقط لارتفاع تكلفة النقل والتأمين والإنتاج والكهرباء والأسمدة والغذاء، وإنما يتسع تأثير الصدمة إلى التضخم وأسعار الفائدة والاستثمار وسلاسل الإمداد.. وقد تجاوز سعر برنت في الأيام الأخيرة حاجز المائة دولار وهو فى تصاعد مستمر كلما اتسعت دائرة التهديد.. والأكثر خطورة أن مؤسسة بحجم «جيه بي مورجان» أعلنت أنها لا تملك هذه المرة منهجاً واضحاً لسيناريو يمكن أن تبني عليه توقعاتها لسوق النفط في ظل استمرار الصراع وعدم وضوح نهايته! وهذه ليست مسألة عادية؛ فحين تعجز المؤسسات المالية الكبرى عن بناء سيناريو مرجح، نفهم حينئذ أن عدم اليقين يستولي على المشهد الاقتصادي بأسره لشهور وأسابيع قادمة..
وعود واشنطن
في المقابل تتحرك واشنطن على مسارين متوازيين: الضغط العسكري من جهة، ومحاولة فتح أبواب التفاوض من جهة أخرى.. نسمع الرئيس دونالد ترامب يقول: إنه يأمل أن تكون الحرب مع إيران قد اقتربت من نهايتها بالتفاوض وإقرار الهدنة تزامناً مع ترتيبات للقاء قادة دول مجلس التعاون الخليجي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم نسمعه يهدد إيران ويتوعدها بالمحو والدمار، فأيهما أصوب؟
إن الولايات المتحدة تريد ترتيبات جديدة تتعلق بإيران وبرنامجها النووي وأمن الخليج، وإيران تريد ضمانات وشروطاً مختلفة، ودول الخليج تريد حماية أمنها ومصالحها الاقتصادية، بينما أصبحت الجماعات المسلحة غير الحكومية طرفاً قادراً على تعطيل حسابات الدول الكبرى.
وفي هذا السياق تكتسب زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى القاهرة ولقاؤه الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس المخابرات العامة حسن رشاد أهمية سياسية، خصوصاً أنها جاءت وسط التصعيد الإقليمي.. مصر، بحكم موقعها وعلاقاتها وممراتها البحرية وثقلها الدبلوماسي، لا يمكن أن تكون بعيدة عن أي ترتيبات تتعلق بالمرحلة التالية للصراع.. وهذا يفتح سؤالاً آخر هل تستعد المنطقة لحرب أوسع، أم لتسوية أكبر؟
إرهاصات وإشارات
تحذيرات السفر الأمريكية موجودة بالفعل في المنطقة؛ فعلى سبيل المثال صنفت وزارة الخارجية الأميركية السعودية في 15 سبتمبر عند المستوى الثالث "إعادة النظر في السفر" بسبب مخاطر تشمل الصواريخ والمسيرات الإيرانية والصراع المسلح والإرهاب.. وكذلك فإن الحديث عن تحركات قاذفات أو طائرات تزود بالوقود، أو ارتفاع طلبات الطعام في البنتاجون، يمكن أن يكون مؤشراً مثيراً للاهتمام، لكنه لا يصلح وحده دليلاً على قرب عملية عسكرية.. إن تحليل ما يتاح من أنباء يضعنا أمام ثلاث تصورات لا يمكن الجزم بأي منها: المسار الأول: تسوية جزئية، تنتهي فيها الحرب الحالية عبر اتفاق سياسي واسع، لكن مع ترتيبات أمنية جديدة في الخليج وإيران والعراق والبحر الأحمر، وتبقى آثار الحرب الاقتصادية والسياسية لسنوات..
المسار الثاني: تصعيد إقليمي محدود، تستمر خلاله الضربات والهجمات المتبادلة دون انتقال إلى حرب شاملة بين القوى الكبرى، مع ارتفاع تكلفة الطاقة والنقل والتأمين واستمرار الضغط على الاقتصادات.. أما المسار الثالث الذي يخشاه الجميع فهو اتساع غير محسوب للصراع نتيجة خطأ في الحسابات أو استهداف منشأة شديدة الحساسية أو سقوط عدد كبير من الضحايا أو اتساع دائرة الهجمات على الممرات البحرية.. وهذا الاحتمال تحديداً هو الذي يفسر لماذا تزداد الاستعدادات المدنية والعسكرية في دول أوروبا اليوم!
إعادة ترتيب الأوراق
خلف الكواليس تتحرك الصين بهدوء وثبات.. فالرئيس الصيني شي جين بينغ يستعد للقاء ترامب في واشنطن في 24 سبتمبر، في قمة تأتي وسط حرب إيران وتوترات تجارية وإعادة صياغة للعلاقات الاقتصادية بين القوتين.. وتايوان تقبع فى خلفية المشهد تنتظر مصيرها الغامض..
هكذا يصبح المشهد أشد التباساً وتعقيداً: روسيا منشغلة بحربها مع أوكرانيا.. الولايات المتحدة موزعة بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.. الصين تراقب وتفاوض وتوسع هامشها الاقتصادي.. أوروبا تعيد بناء قدراتها الدفاعية.. ودول الخليج تحاول حماية أمنها ومصالحها.. ليغدو السؤال الأهم: ما القادم؟ وكيف يمكن أن نستعد له؟
هل ننتظر عالماً تنتهي فيه حرب إيران بتسوية تعيد رسم موازين المنطقة؟ أم مرحلة تتراجع فيها العولمة لصالح الأمن القومي والمخزونات الاستراتيجية وسلاسل الإمداد الإقليمية؟ أم احتدام للصراع بين مختلف أطرافه وأحلافه ليتحول إلى جولة ثالثة من الحرب الكونية؟!
المؤكد أن شيئاً ما تغير، وأن الأجواء الملبدة تنذر بالأسوأ فعندما تطلب الحكومات من مواطنيها الاستعداد لانقطاع الخدمات، وتتحول المسيرات إلى سلاح يصل إلى عواصم الدول، وحين يصبح مضيق بحري واحد قادراً على تحريك أسعار النفط والتأمين والنقل، وحين تقول مؤسسة مالية كبرى إنها لم تعد تملك سيناريو واضحاً لنهاية الصراع، فإن العالم يكون قد دخل بالفعل منطقة الخطر.. قد لا تكون الحرب الكبرى على الأبواب كما يدعي أصحاب نظرية المؤامرة، وقد لا تكون التسوية الكبرى بعيدة كما نأمل.. لكن الأحداث تدفعنا لنجعل أعيننا فى وسط رؤوسنا وإلا جرفتنا الأحداث أمامها دون أن نجد الوقت أو القدرة على دفع آثارها..
عبد السلام فاروق يكتب: جولة ثالثة مؤجلة