تعود المحققة الشهيرة الآنسة ماربل إلى عالم الرواية البوليسية من خلال مغامرة جديدة تنقلها للمرة الأولى إلى أجواء الفنادق الفاخرة والجبال المغطاة بالثلوج في جبال الألب السويسرية، بعدما اختارت الكاتبة البريطانية لوسي فولي أن تمنح الشخصية التي ابتكرتها أجاثا كريستي قضية جديدة، مع الحفاظ على ذكائها الحاد وقدرتها على كشف خفايا الطبيعة البشرية.
وتحمل الرواية الجديدة عنوان "جريمة قتل في فندق جراند ألباين" (Murder at the Grand Alpine Hotel)، وتدور أحداثها عام 1951 داخل فندق سويسري فاخر، حيث تقضي الآنسة ماربل عطلة برفقة صديقتها دوللي، المعروفة أيضا باسم السيدة بانثري، قبل أن تتحول الإقامة الهادئة إلى سلسلة من جرائم القتل.
وتروي صحيفة "جارديان" البريطانية، في مقال كتبته لوسي فولي نفسها، تفاصيل تجربتها في تولي هذه المهمة الأدبية، مشيرة إلى أنها شعرت بمزيج من التكريم والخوف عندما عرض عليها كتابة مغامرة جديدة للشخصية المحبوبة، خصوصا أن الآنسة ماربل ارتبطت في أذهان القراء بأسلوب أجاثا كريستي الفريد في بناء الألغاز وتوزيع الأدلة. وترى فولي أن التحدي لم يكن مجرد ابتكار جريمة جديدة، وإنما الحفاظ على تعقيد الشخصية ومنطقها الداخلي، مع تقديم رواية لها هويتها الخاصة.
وتعود علاقة فولي بأعمال كريستي إلى طفولتها، إذ تعرفت على عالمها الأدبي من خلال جدتها، التي تصفها بأنها كانت تتمتع بصفات تشبه الآنسة ماربل، مثل قوة الملاحظة والقدرة على فهم الناس وامتلاك حس أخلاقي واضح.
وكانت روايات كريستي من أوائل أعمال الأدب الموجه للكبار التي قرأتها فولي، بعدما بدأت في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة برواية "مردر أون ذا أورينت إكسبريس".
وترى فولي أن شخصية الآنسة ماربل تتمتع بخصوصية تختلف عن شخصية المحقق البلجيكي هيركيول بوارو. فبينما ارتبط بوارو بالمواقع العالمية الفاخرة، مثل الريفييرا الفرنسية ومصر والجزر اليونانية، بدت حياة ماربل في البداية أكثر ارتباطا بالقرية الإنجليزية الصغيرة. إلا أن إعادة قراءة الروايات في مرحلة البلوغ جعلت فولي تكتشف مدى جرأة كريستي في تقديم امرأة مسنة غير متزوجة باعتبارها الشخصية القادرة على حل الجرائم والتفوق على المحيطين بها.
وتوضح الكاتبة أن ماربل تستفيد من الصورة التي يكوّنها الآخرون عنها، إذ ينظر إليها بعض الشخصيات باعتبارها امرأة مسنة لا تمثل تهديدا، بينما تستخدم هي هذا التجاهل لمراقبة التفاصيل وفهم العلاقات الخفية. ولا تعتمد قدرتها على الأدلة المادية وحدها، وإنما على خبرتها الواسعة بالطبيعة البشرية، وعلى ملاحظتها للتناقضات الصغيرة في سلوك الأشخاص وكلامهم.
واختارت فولي نقل ماربل إلى جبال الألب السويسرية مستفيدة من معلومة تاريخية تتعلق بأعمال كريستي، وهي أن رواية "ديث أون ذا نايل" كانت في الأصل مرشحة لأن تكون مغامرة للآنسة ماربل. ومن هنا وجدت الكاتبة مدخلا يجمع بين حبها للمواقع السينمائية الفاخرة وبين رغبتها في تقديم الشخصية داخل بيئة جديدة، بعيدا عن القرية الإنجليزية التي ارتبطت بها معظم مغامراتها.
وتستخدم الرواية عدة أصوات سردية بضمير المتكلم، من بينها زوجة متوترة لبطل حرب تخفي سرا خطيرا، ونجمة سينمائية أمريكية آخذة في الأفول وتعاني إدمان أحد المنشطات. وترى فولي أن تعدد الرواة يسمح بإظهار الطريقة التي ينظر بها كل شخص إلى ماربل، سواء باعتبارها شخصية يمكن الاستهانة بها أو امرأة مثيرة للإعجاب أو محققة تثير الخوف.
ولا تقتصر الرواية على استعادة أجواء روايات كريستي، إذ تحاول فولي ربط أحداثها بقضايا معاصرة، من بينها نظرة المجتمع إلى التقدم في العمر، وتهميش كبار السن، واستمرار حضور الشخصيات الذكورية المتسلطة في مجالات الثقافة والسياسة. كما تتناول فكرة محاولة أصحاب النفوذ إعادة كتابة الماضي أو إخفاء أخطائهم، وهي ثيمة ترى الكاتبة أنها تتقاطع مع عالمنا الحالي.
وتؤكد فولي أنها لم ترغب في تقليد كريستي بصورة حرفية، موضحة أن الكاتبة الراحلة كانت صاحبة أسلوب لا يمكن تكراره، وأن هدفها كان إجراء حوار إبداعي مع الروايات الأصلية، مع الحفاظ على جوهر ماربل ومنحها مساحة لخوض مغامرة جديدة.
وفي النهاية، تمثل رواية "مردر آت ذا جراند ألباين هوتيل" محاولة لإعادة تقديم شخصية أدبية كلاسيكية إلى القراء المعاصرين، من خلال الجمع بين عناصر الرواية البوليسية التقليدية وموقع جديد وموضوعات تتصل بالحاضر. وبينما تظل ماربل وفية لقدرتها على قراءة البشر وكشف الأسرار، تمنحها فولي عالما مختلفا يثبت أن الشخصيات الأدبية الشهيرة يمكن أن تستمر في الحياة من خلال قراءات وإبداعات جديدة.
ابتكرت أجاثا كريستي شخصية الآنسة جين ماربل، التي ظهرت للمرة الأولى في قصة "ذا تيوزداي نايت كلوب" عام 1927، قبل أن تقدم في أول رواية كاملة بعنوان "ذا مردر آت ذا فيكارج" عام 1930. وظهرت الشخصية في 12 رواية بوليسية و20 قصة قصيرة من أعمال كريستي، وأصبحت واحدة من أشهر المحققات في الأدب العالمي. وتعتمد ماربل في حل الجرائم على الملاحظة الدقيقة وفهم السلوك الإنساني، مستفيدة من خبرتها بالحياة في القرية الإنجليزية. وبعد وفاة كريستي، ظهرت أعمال جديدة مستوحاة من شخصياتها، من بينها مجموعة "ماربل: تويلف نيو ستوريز" عام 2022، لكن رواية لوسي فولي تمثل أول رواية كاملة جديدة مخصصة للآنسة ماربل.