قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. هبة جمال تكتب: التسويق الحكومي الإلكتروني وتحويل الخدمة العامة إلى تجربة رقمية

د. هبة جمال
د. هبة جمال


لم يعد المواطن اليوم ينتظر أن تطرق المعلومة الحكومية بابه ، أو أن يبحث طويلًا عن الجهة التي تقدم له الخدمة. بضغطة واحدة على هاتفه يستطيع أن يعرف، ويسأل، ويتابع، وأحيانًا يُنهي معاملته بالكامل دون أن يغادر منزله. هنا تحديدًا تظهر أهمية التسويق الحكومي الإلكتروني، ليس باعتباره مجرد وسيلة للإعلان عن خدمات الدولة، وإنما باعتباره أحد أدوات بناء علاقة أكثر وضوحًا وتفاعلًا بين المؤسسات الحكومية والمواطن.
فالحكومة في العصر الرقمي لا تتعامل فقط مع جمهور يتلقى المعلومات، وإنما مع مواطن يريد أن يفهم، ويشارك، ويستفسر، ويقارن، ويعبّر عن رأيه. ومن ثم أصبحت طريقة تقديم الخدمة والتواصل بشأنها جزءًا أساسيًا من الصورة الذهنية للمؤسسة الحكومية.
من الإعلان عن الخدمة إلى فهم احتياجات المواطن
الخطأ الذي قد تقع فيه بعض المؤسسات هو التعامل مع التسويق الحكومي الإلكتروني باعتباره نشرًا مستمرًا للأخبار والبيانات والمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. بينما القضية أكبر من ذلك بكثير.
التسويق الحكومي الإلكتروني يبدأ من سؤال بسيط :  ماذا يحتاج المواطن فعلًا ؟
عندما تجيب المؤسسة عن هذا السؤال يصبح من الممكن أن تقدم محتوى واضحًا، وفي الوقت المناسب، وباللغة التي يفهمها الجمهور. فالمواطن لا يحتاج دائمًا إلى بيان طويل، وإنما قد يحتاج إلى فيديو قصير يشرح له خطوات الحصول على الخدمة، أو تصميم بسيط يوضح المستندات المطلوبة، أو إجابة مباشرة عن سؤال يتكرر يوميًا.
وهنا تتحول المنصات الرقمية من مجرد واجهة إعلامية إلى مساحة حقيقية للخدمة والتواصل.
المواطن أصبح شريكًا في صناعة الرسالة
من أهم التحولات التي أحدثها الإعلام الرقمي أن الجمهور لم يعد مستمعًا صامتًا. المواطن يستطيع أن يتفاعل بطرق متنوعة وينقل تجربته إلى آلاف الأشخاص في دقائق.
وهذا يفرض على المؤسسات الحكومية أن تنظر إلى التعليقات والتفاعلات الرقمية باعتبارها مصدرًا مهمًا لفهم اتجاهات الجمهور، وليس مجرد أرقام تُضاف إلى تقارير الأداء.
فإذا تكرر السؤال نفسه عشرات المرات، فربما المشكلة ليست في المواطن الذي لم يفهم، وإنما في طريقة تقديم المعلومة. وإذا كانت هناك شكوى متكررة من إجراء معين، فقد تكون المنصة الرقمية قد كشفت عن نقطة تحتاج إلى مراجعة أو تبسيط.
وهنا تبرز قيمة التسويق الحكومي الحقيقي في الإستماع قبل الحديث والمصداقية والسرعة في الرد على المواطن 
في المجال الحكومي تحديدًا، لا يمكن أن ينجح التسويق الرقمي بالإعتماد على الشكل وحده. الصورة الجميلة والفيديو الجيد قد يجذبان الانتباه، لكنهما لا يصنعان ثقة مستدامة إذا لم يجد المواطن خلفهما خدمة حقيقية ومعلومة دقيقة.
لذلك فإن المصداقية يجب أن تكون نقطة الانطلاق.
معلومة صحيحة، وموعد واضح، وإجابة مباشرة، وتصحيح سريع عند حدوث خطأ، واعتراف بالمشكلة عندما تكون هناك مشكلة؛ كلها ممارسات قد تبدو بسيطة، لكنها تصنع فارقًا كبيرًا في علاقة المواطن بالمؤسسة.
وفي المقابل، فإن المبالغة في الوعود أو تقديم صورة مثالية لا تعكس الواقع قد تحقق تفاعلًا لحظيًا، لكنها تضعف الثقة عندما يصطدم المواطن بتجربة مختلفة.
ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح أمام التسويق الحكومي الإلكتروني مجال أوسع لتطوير طريقة التواصل مع المواطنين.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المؤسسات في تحليل الأسئلة والشكاوى المتكررة، وفهم اهتمامات الجمهور، وتخصيص المحتوى، وتطوير أدوات الرد والاستفسار، بما يساعد على تقديم خدمة أكثر سرعة وتنظيمًا.
لكن التكنولوجيا، مهما تطورت، لا تستطيع أن تحل محل الرؤية الإنسانية. فالمواطن ليس مجرد رقم في قاعدة بيانات، وليس مجرد نقرة أو مشاهدة. وراء كل استفسار شخص لديه احتياج، ووراء كل شكوى تجربة، ووراء كل تفاعل توقع معين من المؤسسة.
لذلك يجب أن يظل استخدام التكنولوجيا مرتبطًا بهدف واضح: تحسين تجربة المواطن، وليس فقط زيادة الحضور الرقمي.
من السهل أن تنبهر المؤسسة بعدد كبير من المشاهدات أو الإعجابات، لكن هذه الأرقام وحدها لا تخبرنا بالضرورة أن الرسالة نجحت.
السؤال الأهم هو: هل عرف المواطن الخدمة؟ هل فهم إجراءاتها ؟ هل استطاع الوصول إليها ؟ هل تغير سلوكه بالفعل؟ وهل أصبحت علاقته بالمؤسسة أكثر وضوحًا ؟ ما هي درجة رضاءة ؟
هذه الأسئلة تنقلنا من مفهوم "التسويق من أجل الظهور" إلى مفهوم أكثر نضجًا، وهو "التسويق من أجل الأثر".
التسويق الحكومي الإلكتروني ليس وظيفة منفصلة عن العمل الحكومي، وإنما هو جزء من منظومة متكاملة تبدأ من جودة الخدمة نفسها، ثم طريقة تقديمها، ثم كيفية شرحها للجمهور، ثم الاستماع إلى ردود أفعاله.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى كوادر حكومية مؤهلة تجمع بين فهم طبيعة العمل العام، ومهارات الاتصال والإعلام الرقمي ، والقدرة على قراءة البيانات، وفهم سلوك الجمهور، والتعامل الواعي مع أدوات الذكاء الاصطناعي لأن المؤسسة التي تعرف جمهورها تستطيع أن تتحدث معه بلغته ، والمؤسسة التي تستمع إليه تستطيع أن تطور رسالتها وخدماتها  والمؤسسة التي تحترم عقله لا تحتاج إلى المبالغة في الترويج لما تقدمه.