أوصانا سيدنا رسول الله بمحاسن الأخلاق، فقال: «مَنْ نَفَّسَ عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومَنْ يسَّر على معسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومَنْ ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومَنْ سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومَنْ بطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبه».
وصايا النبي الجامعة
وأكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر، إن هذه الكلمات تعتبر وصايا جامعة من النبي، وإن شئت فقل: هي أخلاق يأمرنا فيها سيدنا رسول الله أن نربي أنفسنا عليها.
وتابع علي جمعة: والله، لو درَّبت نفسك على هذا، ولو جعلت كل ما تفعله من تنفيس الكرب عن الناس لوجه الله تعالى، مخلصًا به لربك، راجيًا ثوابه يوم القيامة، لكان ذلك تخفيفًا عليك ورحمةً يوم المشهد العظيم، ولنوَّر الله به قلبك في الدنيا، ولجعلك تفهم معنى الإنسان الذي أمامك، وأنه بنيان الرب، كما ورد: «الإنسان بنيان الرب».
واستكمل: فإذا يسَّرنا على الإنسان، وأدركنا أنه ليس رقمًا ولا إحصاءً، وإنما هو إنسان مكرَّم من رب العالمين، فهمنا معنى قوله: «ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة».
وأشار إلى أن المعسر قد يكون مديونًا؛ فإذا سددت عنه دينه -ولو من الزكاة- فإنك تكون قد يسَّرت على معسر، أو أخَّرت دينه الذي في ذمته لك، أو أحسنت المطالبة، أو خففت عنه، أو أسقطت عنه بعض دينه، أو سترت عليه فلم تفضح حاله، والدَّين همٌّ بالليل، وذلٌّ بالنهار، ولو فعلت هذا لوجه الله لشعرت بحلاوة ذلك في قلبك.
ستر المسلم والتجاوز عن الزلات
وأوضح علي جمعة أن قوله «ومَنْ ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة» فلو أنك سترت على الناس عثراتهم، وتجاوزت عن زلاتهم، لوجدت أثر ذلك في قلبك وفي نفسك، ولستر الله عليك في الدنيا والآخرة، ولكن كثيرًا من الناس تلوك ألسنتهم أعراض الناس في مجالسهم؛ غيبةً، ونميمةً، وافتراءً، وبهتانًا. والنبي يقول: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع».
وذكر علي جمعة، أنه تحت شعار حرية الرأي وحرية التداول تحدث الغيبة والنميمة، وحرية الرأي لا تعني الكذب والافتراء والغيبة والنميمة والخوض في أعراض الناس والتكلم بالفاحشة؛ وإنما مجالها أن يكون الإنسان حرًّا، وأن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر، وأن يكون قلبه على مجتمعه وناسه ومصالحهم؛ يريد الخير، ولا يريد الشر.
وتابع: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» انظر إلى هذا الإطلاق الذي خاطب فيه سيدنا رسول الله البشرية، وهو رحمة للعالمين إلى يوم الدين؛ فقال: «العبد»، ولم يقل: المسلم، ولا حتى المؤمن.
وأوضح أن هذا مفهوم واسع، ونسق مفتوح، وقلب يسع الناس أجمعين؛ لأننا إنما ندعو إلى رب العالمين، وندعو إلى سيد الخلق أجمعين، وندعو إلى خُلُق قويم لا يختلف عليه اثنان من العقلاء، ولا يتناطح فيه أحد من العلماء، وفي النهاية، يضع لنا سيدنا رسول الله قاعدةً ذهبية: «ومَنْ بطَّأ به عمله لم يُسرع به نسبه».
وأكد أن القضية هي قضية العمل الصالح، والعمل الصالح أن تبدأ بنفسك، ثم بمن تعول، أو أن تبدأ بنفسك، ثم بمن يليك، فعليك أن تبدأ بنفسك من هذه اللحظة، بعد أن سمعت وصايا سيدنا رسول الله، فجدِّد إيمانك، وقل: لا إله إلا الله، وابدأ السير في طريق الله، متخلِّقًا بما أراده لنا سيدنا رسول الله.

