قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

إلهام أبو الفتح تكتب: لغة الانسحاب

إلهام أبو الفتح
إلهام أبو الفتح

تابعتُ مشهد الوفود وهي تغادر قاعة الأمم المتحدة مع بدء خطاب نتنياهو. واحد يقوم، ثم آخر، ثم صفوف من المقاعد تخلو أمام الكاميرات. شعرتُ أن لغة الانسحاب كانت أكثر قوة وحققت ما عجزت بيانات كثيرة عنه.

كنتُ أنظر إلى المقاعد وأفكر في غزة؛ في أمٍّ تحاول أن تطمئن طفلها وهي نفسها لا تعرف أين سيكونان غدًا، في أبٍ يبحث عن طعام لأسرته، وفي طفل صار صوت الطائرات جزءًا من يومه. عندما نسمع ونشاهد كل هذا، نفهم لماذا اختار المندوبون أن يغادروا القاعة.

نتنياهو يستطيع أن يقف أمام المنصة ويتحدث كما يشاء، أما الكراسي الخالية وصورة الوفود وهي تخرج، فقد وصلت إلى الناس قبل أن ينتهي خطابه؛ كانت رسالة غضب ورفض، ورسالة تضامن مع بشر ينتظرون من العالم أن يراهم.

أعرف أن الانسحاب لن يوقف القصف، وأعرف أيضًا قيمة أن يرى أهل غزة أن العالم لم يعتد ما يجري لهم، لكنني أتمنى من الدول التي غادرت القاعة أن تحمل موقفها معها إلى الاجتماعات والقرارات التالية؛ فالناس هناك يحتاجون وقفًا للحرب، وطعامًا ودواءً يدخلان إليهم، وفرصة للحياة.

أن يغادر دبلوماسي القاعة وهو يعرف أن مهمته أن يبقى ويتحدث، وأن الاختلاف بين الدول يُدار عادة بالكلمات، ومع ذلك اختار الانسحاب، فربما شعر—كما شعر كثيرون منا—بأن تكرار الخطاب أمام صور غزة لم يعد يُحتمل. الأطفال الذين فقدوا بيوتهم لا يستطيعون انتظار جولة جديدة من تبرير ما حدث لهم، والأمهات اللاتي فقدن أبناءهن لا يجدن في الكلمات ما يخفف انتظارهن.

جاء الرفض ومغادرة القاعة من وفود تنتمي إلى بلاد مختلفة، وشعر الناس أن ألم غزة وصل إلى ضمائر بعيدة. أتمنى أن تحتفظ هذه الدول بالشجاعة نفسها حين تنتقل المناقشات من قاعة الجمعية العامة إلى الأماكن التي تُتخذ فيها القرارات الحاسمة والمؤثرة.

الموقف الذي بدأ داخل القاعة يحتاج أن يستمر خارجها؛ تستطيع هذه الدول أن تضغط لوقف الحرب، وأن تتمسك بوصول المساعدات وحماية المدنيين، وأن تسأل في كل اجتماع عما تحقق على الأرض. ولكن حين يغادر المندوب مقعده احتجاجًا، يحمل معه مسؤولية أن يعود إلى عمله أكثر إصرارًا على إنقاذ الناس.

رأيتُ في خروج الوفود غضبًا شعرتُ به كلما وقفتُ عاجزة أمام أخبار غزة.

كانت لغة الانسحاب واضحة في الأمم المتحدة، وسيكون معناها أعمق حين يصل إلى غزة صباح لا يوقظ الخوف فيه الأطفال، وتستطيع أمٌّ أن تقول لابنها بصدق: إن الغد سيكون أكثر أمانًا.