قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أيمن فرج يكتب: تحويلات المصريين بالخارج.. من مورد للنقد الأجنبي إلى قوة إنتاجية

د. أيمن فرج
د. أيمن فرج

لم تعد تحويلات المصريين العاملين بالخارج مجرد مورد مهم للنقد الأجنبي، بل أصبحت أحد أبرز مصادر التدفقات من النقد الأجنبي إلى الاقتصاد المصري، ووفقًا لأحدث بيانات متاحة من البنك المركزي المصري، ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة (يوليو–ديسمبر 2025) بنسبة 29.6% ، لتصل إلى نحو 22.13 مليار دولار، مقابل 17.07  مليار دولار خلال الفترة المماثلة من العام السابق.
لكن القراءة الاقتصادية لهذه الأرقام لا ينبغي أن تتوقف عند حجم التدفقات وحدها، بل تتجاوز ذلك إلى ما تكشفه عن مورد اقتصادي مهم قابل للبناء عليه؛ فمصر تمتلك في مواطنيها العاملين بالخارج مصدرًا متناميًا للنقد الأجنبي، ومدخرات يمكن، إذا توافرت لها الحوافز والثقة والأدوات المناسبة، توجيه جزء منها نحو الاستثمار والإنتاج.
ومن هنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط كيف نزيد التحويلات؟ بل كيف نحول جزءًا منها، بصورة طوعية، من مورد للنقد الأجنبي إلى مصدر للقوة الإنتاجية؟
1-    من الدولار الداخل إلى القيمة التي يبنيها.
تحويلات المصريين بالخارج ليست استثمارًا في حد ذاتها، وإنما هي أموال يمكن أن تُستخدم في الاستهلاك أو الادخار أو التعليم والرعاية الصحية أو شراء الأصول أو تمويل المشروعات. ومن ثم يعتمد أثرها الاقتصادي على كيفية استخدامها بعد دخولها البلاد، وعلى قدرة الاقتصاد المحلي على تحويل هذا الإنفاق إلى إنتاج وقيمة مضافة.
فإذا تم توجيه جزء منها لصالح استثمار منتج، فإنه يمكن أن يسهم في زيادة الطاقة الإنتاجية، وخلق فرص العمل، ودعم الصادرات، أو إحلال لبعض الواردات. أما إذا تم تخصيص نسبة كبيرة منها إلى استهلاك السلع المستوردة أو إلى أنشطة ذات محتوى محلي محدود، فقد يكون أثرها المباشر على الإنتاج المحلي أضعف. وبالتالي قد تؤدي زيادة الطلب إلى خلق ضغوط تضخميه على الأسعار، أو إلى ارتفاع في سعر الصرف الحقيقي، بما قد يؤثر في تنافسية بعض القطاعات المنتجة والموجهة للأسواق الخارجية.
لذلك، لا تكمن أهمية التحويلات في حجم الدولارات التي تدخل الاقتصاد فقط، وإنما في القيمة الاقتصادية التي تبنيها هذه الدولارات بعد دخولها، وما تضيفه إلى الإنتاج وخلق فرص العمل والنمو.
2-    من التحويل الشخصي إلى رأس المال المحتمل.
التحويلات ليست استثمارًا تلقائيًا، لكنها يمكن أن توفر مصدرًا مهمًا للادخار، وقد تتيح تمويلًا للاستثمار. كما قد تسهم في تكوين رأس المال البشري من خلال تمويل التعليم والرعاية الصحية، وإن كان حجم هذه الآثار يتوقف على خصائص الأسر، وجودة الخدمات، والقدرة على تحويل الإنفاق إلى مهارات وإنتاجية.
وهنا تظهر مساحة مهمة للسياسة الاقتصادية، فالمطلوب ليس تحويل الأموال المخصصة للاحتياجات الأساسية للأسر إلى استثمارات إجبارية، وإنما تعبئة الفائض القابل للادخار من هذه التدفقات، وتوفير أدوات تجعل توجيهه إلى الاستثمار الإنتاجي أكثر جاذبية ووضوحًا، مدعومةً بالإفصاح الشفاف عن المخاطر، وتنويع المحافظ، وإدارتها بصورة احترافية.
3-من جذب المدخرات إلى تصميم أدوات الاستثمار.
تمتلك البنوك المصرية بالفعل منتجات ادخارية ومصرفية بالعملات الأجنبية للمصريين بالخارج، لكن وجود هذه المنتجات لا يضمن وحده انتقال المدخرات إلى الاستثمار الإنتاجي. ولذلك يمكن تطوير مجموعة من الأدوات الاختيارية.
الأداة الأولي: سندات موجهة للمصريين بالخارج.
يمكن أن تطرحها الدولة أو جهات عامة أو مؤسسات مؤهلة، مع إمكان تخصيص حصيلة بعض الإصدارات لقطاعات إنتاجية واضحة، مثل الطاقة المتجددة أو التصنيع التصديري أو سلاسل القيمة الزراعية.
لكن يجب التمييز بين تخصيص حصيلة السند لقطاع أو مشروع، وبين ربط عائد المستثمر مباشرة بأداء ذلك المشروع. ولذلك ينبغي الإفصاح بوضوح عن طبيعة الأداة، ومخاطر الائتمان وسعر الصرف والسيولة، وألا يُقدَّم العائد بوصفه مضمونًا إلا في الحدود التي يسمح بها الإطار القانوني والمالي للجهة المصدرة.
الأداة الثانية: منصات مالية رقمية مرخصة
تربط المصريين بالخارج بالمشروعات القابلة للتمويل والاستثمار، وتوفر معلومات قابلة للتحقق عن النشاط، وحجم التمويل المطلوب، والإيرادات، والمخاطر، والعائد المتوقع، وآليات التخارج، مع متابعة مراحل التنفيذ.
ويمكن استخدام تقنيات العقود الذكية لتعزيز قابلية التتبع في بعض المعاملات، لكنها لا تغني عن الترخيص والرقابة، والتحقق من العملاء، ومكافحة غسل الأموال، وحماية البيانات وحقوق المستثمرين. كما يُفضل أن تتيح المنصات صناديق أو محافظ متنوعة، عوضًا عن تعريض المستثمر لمخاطر مشروع مفرد.
الأداة الثالثة: بيئات الاختبار التنظيمية المؤقتة (Regulatory Sandboxes) 
وهي أطر تسمح باختبار منتجات وخدمات ونماذج أعمال جديدة للتمويل والاستثمار الرقمي في بيئة محدودة وتحت إشراف الجهة الرقابية، قبل إتاحتها على نطاق أوسع. وتحدد هذه البيئات مدة الاختبار، وعدد المستخدمين، وحجم المعاملات، مع اشتراط الإفصاح الواضح عن المخاطر وحماية العملاء. وبعد انتهاء فترة الاختبار، يكون هناك مسار محدد إما للانتقال إلى الترخيص الكامل، أو إنهاء النشاط إذا لم يستوفِ المتطلبات التنظيمية.
الأداة الرابعة: حوافز المطابقة.
بحيث تساهم الدولة أو مؤسسات التنمية بجزء من التمويل الخاص الذي يقدمه المستثمرون المصريون بالخارج لمشروعات ذات أثر إنتاجي واضح. ويمكن توجيه هذه الحوافز إلى مشروعات تحقق نتائج قابلة للقياس، مثل زيادة الصادرات، أو إحلال واردات بكفاءة، أو خلق وظائف مستدامة، أو رفع المكون المحلي، أو نقل التكنولوجيا.
ولمنع تحول هذه الآلية إلى دعم عام أو قناة للمحاباة، ينبغي أن تكون تنافسية ومشروطة بضخ رأس المال الخاص فعليًا، وأن تُصرف على مراحل مرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للتحقق، مع مراجعة مستقلة وقياس للنتائج.

4- المصري بالخارج: مال ومعرفة وشبكات
لا يمثل المصري بالخارج مصدرًا للتحويلات المالية فحسب، بل يمتلك أيضًا خبرة مهنية، ومعرفة بالأسواق، وشبكات أعمال يمكن أن تسهم في فتح قنوات جديدة للتصدير، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز التعاون التجاري والاستثماري.
ومن هنا يمكن توسيع مفهوم الاستفادة من المصريين بالخارج من تعبئة الأموال وحدها إلى توظيف رأس مالهم المعرفي والمهني وعلاقاتهم العابرة للحدود. فربط الكفاءات والخبرات الموجودة في الخارج بالشركات والجامعات ومراكز البحث المحلية يمكن أن يساعد على تطوير منتجات أكثر قدرة على المنافسة، وتحسين معايير الإنتاج، والوصول إلى أسواق جديدة، ونقل المهارات والتكنولوجيا إلى الاقتصاد المحلي.
ولتفعيل هذا الدور، يمكن إنشاء منصات مؤسسية للتوجيه المهني، وبرامج للزمالات والتعاون البحثي، تتيح للشركات الناشئة ومراكز البحوث المحلية الاستفادة المباشرة من الخبرات المصرية في الخارج. وبذلك يتحول دور المصري بالخارج من مصدر مهم للتمويل والتحويلات إلى شريك في بناء القدرات المحلية وتعزيز الابتكار والإنتاجية.
5-الثقة قبل الأدوات
حتى نكون واقعيين، لن تنجح أي من هذه الأدوات بمجرد إطلاقها؛ فالمدخر في الخارج يحتاج إلى معرفة أين تذهب أمواله، وما المخاطر التي يتحملها، وكيف يحصل على عائده، وكيف يمكنه الخروج من الاستثمار إذا تغيرت ظروفه. لذلك يجب أن تقوم المنظومة على الإفصاح الواضح، وحماية المستثمر، وفصل أموال العملاء عن أموال الجهات المشغلة، وتوفير آليات فعالة للشكاوى وتسوية المنازعات، إلى جانب متابعة استخدام الأموال وقياس النتائج.
كما ينبغي توحيد المعلومات المتعلقة بالمنتجات والمشروعات في قنوات رسمية موثوقة، مع تطبيق قواعد اعرف عميلك ومكافحة غسل الأموال بكفاءة، ودون فرض تكاليف أو إجراءات غير ضرورية قد تحد من سهولة الوصول إلى هذه الأدوات.

6-الدولار المنتج لا الدولار الداخل فقط
لا ينبغي أن تتحول قوة التحويلات إلى بديل عن تنويع مصادر النقد الأجنبي. فالصادرات والسياحة والاستثمار الأجنبي المباشر وإيرادات قناة السويس تظل مكونات أساسية للقدرة الخارجية للاقتصاد. لكن يمكن للتحويلات أن تؤدي وظيفة إضافية تتمثل في توفير مدخرات يمكن أن تتحول بالحافز والثقة وحسن التصميم إلى رأس مال منتج.
وهنا يصبح الهدف ليس تحويل كل دولار مرسل إلى استثمار، وإنما إنشاء مسار اختياري وموثوق للجزء القابل للادخار منه. فإذا تحول جزء من التدفقات القادمة من الخارج إلى استثمار يرفع الإنتاجية، ويدعم الصادرات أو إحلال الواردات، ويخلق وظائف وقيمة مضافة، فإنه لا يضيف فقط إلى السيولة الدولارية الحالية، بل يسهم في بناء قدرة مستقبلية على توليد النقد الأجنبي.
وعندها يصبح السؤال الاقتصادي أعمق من مجرد كم دولاراً يدخل مصر؟ بل يصبح السؤال هو : ماذا يفعل الاقتصاد بهذا الدولار بعد دخوله؟
وهذا هو التحول المطلوب من مجرد النظر إلى تحويلات المصريين بالخارج باعتبارها موردًا للنقد الأجنبي، إلى التعامل مع الجزء القابل للادخار منها باعتباره رأس مال محتملًا لبناء قوة إنتاجية أكثر استدامة.