نظم المركز المصري للدراسات الاقتصادية، بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي، ندوة موسعة لعرض نتائج دراسة أعدها المركز بتمويل من الاتحاد الأوروبي حول "القطاعات الواعدة للاستثمار الأوروبي في مصر"، بهدف تحديد القطاعات الأكثر قدرة على جذب الاستثمارات الأوروبية إلى مصر، وربطها بالتحولات الجارية في سلاسل الإمداد العالمية، ووضع خريطة عملية للإصلاحات اللازمة لتحويل الفرص إلى استثمارات إنتاجية تدعم الصناعة والصادرات المصرية.
وشارك في افتتاح الندوة كل من: عمر مهنا رئيس مجلس إدارة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، وبياتريس كناستر رئيسة قسم التجارة والعلوم والمؤسسات بوفد الاتحاد الأوروبي لدى مصر، وأدارتها الدكتورة عبلة عبد اللطيف المدير التنفيذي ومدير البحوث بالمركز، فيما ضمت الجلسة النقاشية المهندس طارق توفيق نائب رئيس اتحاد الصناعات المصرية، وأحمد سعد الرئيس التنفيذي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والدكتور أحمد مغاوري دياب مساعد وزير الصناعة للتعاون الدولي والمشروعات التنموية، والدكتورة إيمان منصور نائب رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة.
وأكدت الدكتورة عبلة عبد اللطيف في كلمتها الافتتاحية أن الدراسة تعكس منهج المركز في الانتقال من البحث الاقتصادي إلى التطبيق العملي، موضحة أنها لا تقتصر على تحديد القطاعات الواعدة، بل تحاول الإجابة عن سؤال أكثر أهمية يتعلق بكيفية تحويل التحولات التي يشهدها الاقتصاد الأوروبي إلى فرص استثمارية حقيقية لمصر، خاصة في الصناعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، مشيرة إلى أن الدراسة ركزت بصورة غير مسبوقة على مستوى المنتجات والقطاعات الفرعية بما يوفر للحكومة والقطاع الخاص خريطة أكثر دقة لبناء سلاسل القيمة الصناعية، وأن نجاحها سيقاس بقدرتها على التحول إلى مشروعات وشراكات ومصانع جديدة وليس بمجرد جودة التحليل الاقتصادي.
المستثمر الأوروبي
وقال عمر مهنا إن الدراسة تمثل خطوة مهمة لكنها تفتح الباب أمام قضية أعمق تتعلق بمناخ الاستثمار نفسه، مؤكدا أن المستثمر الأوروبي لا يبحث فقط عن الحوافز وإنما عن بيئة يمكن التنبؤ بها وقواعد تنافسية عادلة بين الدولة والقطاع الخاص.
تكافؤ الفرص والحياد التنافسي
وأوضح أن قضية تكافؤ الفرص والحياد التنافسي يجب أن تكون في قلب أي استراتيجية استثمارية، معتبرا أن الإصلاحات المنفردة مهما كانت إيجابية لن تحقق أثرها الكامل ما لم تتحول إلى سياسة حكومية متكاملة تعالج البيروقراطية وثقافة الاقتصاد الريعي والاعتماد على الصفقات قصيرة الأجل، مطالبا بتوضيح الإجراءات التنفيذية بصورة أكبر حتى تتحول الإصلاحات إلى واقع ملموس يشعر به المستثمر.
من جانبها، أكدت بياتريس كناستر، رئيسة قسم التجارة والعلوم والمؤسسات بوفد الاتحاد الأوروبي لدى مصر، أن الاتحاد الأوروبي يظل أكبر شريك اقتصادي لمصر، وأن رصيد الاستثمارات الأوروبية في السوق المصرية بلغ نحو 37 مليار يورو في عام 2024، مشيرة إلى أن المرحلة المقبلة تستهدف توجيه مزيد من الاستثمارات نحو قطاعات التصنيع، وإنتاج السلع الوسيطة، والشركات الصغيرة والمتوسطة، باعتبارها المحرك الرئيسي لتعميق سلاسل القيمة الصناعية وتعزيز القدرة التصديرية.
وشددت على أن الاتحاد الأوروبي يواصل التزامه بدعم جهود مصر لتهيئة بيئة أكثر جذبا للاستثمار المستدام والإنتاجي، مشيرة إلى أن من أبرز الخطوات التي تم اتخاذها في هذا الإطار إطلاق آلية ضمانات الاستثمار بين الاتحاد الأوروبي ومصر من أجل التنمية في يونيو الماضي، والتي تستهدف تعبئة استثمارات تصل إلى 5 مليارات يورو بحلول عام 2027، بما يسهم في تحفيز استثمارات جديدة وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في القطاعات الإنتاجية.
وأشارت كناستر إلى أن اتفاقية تيسير الاستثمار المستدام (SIFA) ستكون أداة مهمة لتعزيز ثقة المستثمرين الأوروبيين، لافتة إلى أن الاتفاقية يمكن التفاوض عليها خلال فترة تتراوح بين 6 - 8 أشهر، بما يبعث برسالة واضحة بأن مصر ماضية في تطوير بيئة الاستثمار.
واستعرض فريق المركز أهم نتائج الدراسة، موضحا أنها اعتمدت على منهجية متعددة المصادر جمعت بين بيانات يوروستات وبيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، إلى جانب استبيان شمل سفارات دول الاتحاد الأوروبي ونموذج تحليلي طوره المركز لتقييم إمكانات التصدير والاستثمار.
وأظهرت الدراسة أن رصيد الاستثمارات الأوروبية المتراكمة في مصر ارتفع من 32 مليار يورو عام 2016 إلى 36.6 مليار يورو عام 2024، مع استمرار الاتحاد الأوروبي كأكبر مستثمر أجنبي في الاقتصاد المصري رغم التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية.
واعتمدت الدراسة على تحليل 1058 منتجا على مستوى النظام المنسق (HS-4)، وانتهت إلى قائمة تضم أفضل 50 منتجا مرشحا لجذب الاستثمارات الأوروبية، تصدرتها معدات وآلات كهربائية، وآلات ميكانيكية، ومنتجات الحديد والصلب، والنحاس، والألومنيوم، والمطاط، والكيماويات، والبلاستيك، والزجاج، والمنسوجات، فيما جاءت معدات التكييف، والأفران الصناعية، وأجهزة الطرد المركزي، ومعدات الرفع، والمحولات الكهربائية ضمن أعلى المنتجات أولوية. كما حددت الدراسة قطاعات استراتيجية مرشحة للاستفادة من إعادة تموضع الصناعات الأوروبية، من بينها مكونات السيارات، والكيماويات، والصناعات الدوائية، والمنسوجات، والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، إلى جانب الطاقة المتجددة، والزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، والخدمات اللوجستية والمالية.
وأوصت الدراسة بحزمة إصلاحات تشمل إنشاء شباك موحد رقمي، وتسريع تسوية المنازعات، وتحفيز الاستثمار الأخضر، وتطوير إدارة المخاطر الجمركية، وتحديث اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لتوسيعها لتشمل الخدمات، إلى جانب إصلاحات قطاعية في عدد من الصناعات المستهدفة.
واستعرضت الدكتورة إيمان منصور حزمة واسعة من الإصلاحات التي تنفذها الهيئة العامة للاستثمار، معلنة أن استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر التي أٌعدت بالتعاون مع البنك الدولي سيتم إطلاقها رسميا خلال الأيام المقبلة، مشيرة إلى وجود تقاطع كبير بينها وبين نتائج الدراسة التي عرضها المركز.
وكشفت نائب رئيس هيئة الاستثمار، أن الحكومة نفذت 209 إصلاحات استعدادا لتقرير B-READY الذى يصدره البنك الدولي والمنتظر إطلاقه فى نوفمبر المقبل، مؤكدة أن التقييم النهائي سيعتمد على رأي القطاع الخاص في مدى تطبيق هذه الإصلاحات على أرض الواقع.
وأوضحت أن الهيئة تعمل على استكمال منصة الكيانات قبل نهاية العام، والتي ستجمع نحو 587 إجراء وترخيصا داخل منصة إلكترونية واحدة، بما يسمح للمستثمر بإنجاز معاملاته من خلال نافذة موحدة، مشيرة إلى أن الإصلاحات شملت رقمنة تأسيس الشركات، وإطلاق روبوت ذكي لخدمة المستثمرين، وتطوير منصة التراخيص، وتسهيل إجراءات زيادة رؤوس الأموال، وتطوير منظومة الإفراج الجمركي، وتعزيز الوساطة وتسوية المنازعات.
وكشفت منصور أن مصر ستبدأ قريبا مفاوضات اتفاقية تيسير الاستثمار المستدام (SIFA) مع الاتحاد الأوروبي، موضحة أن الاتفاقية تستهدف ربط مؤسسات الدولة بمنظومة إلكترونية موحدة تتيح للمستثمر الأوروبي الاطلاع على جميع القوانين والقرارات والإجراءات من منصة واحدة، بما يعزز الشفافية ووضوح الرؤية.
وأكد الدكتور أحمد مغاوري، أن الدراسة تأتي في توقيت بالغ الأهمية لأنها تتزامن مع إعادة تشكيل سلاسل الإمداد الأوروبية، داعيا إلى استغلال هذه اللحظة لجذب صناعات ذات قيمة مضافة مرتفعة إلى مصر.
وأوضح مساعد وزير الصناعة للتعاون الدولي، أن الاتحاد الأوروبي يمتلك نحو 9.3 تريليون يورو من الأصول الاستثمارية الخارجية، مقابل 7.3 تريليون يورو استثمارات أجنبية داخلة، بما يجعله مصدرا صافيا للاستثمار الخارجي بما يمثل نحو 22% من رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي، مؤكدا أن مصر يجب أن تقدم نفسها باعتبارها منصة تصنيع متكاملة داخل منظومة الإمداد الأوروبية، وأن توحد خطابها الاستثماري بحيث يخاطب احتياجات الشركات الأوروبية في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية.
من جانبه أكد أحمد سعد، الرئيس التنفيذي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أن المنطقة تمثل اليوم أحد أهم النماذج العملية لتحويل الإصلاحات إلى استثمارات فعلية، مشيرا إلى أن المنطقة بنت خلال عشر سنوات منظومة متكاملة تجمع بين الموانئ والمناطق الصناعية والحوافز والبنية التحتية. وكشف أن المنطقة نجحت خلال آخر ثلاث سنوات ونصف فقط في جذب أكثر من 16.5 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، كما ارتفع عدد الشركات المؤسسة وفق قوانين المنطقة من نحو 200 شركة قبل ثلاث سنوات ونصف إلى أكثر من 720 شركة حاليا، موضحا أن مصر لم تعد تروج لنفسها كسوق يضم 100 مليون مستهلك فقط، وإنما كبوابة تمنح المستثمر إمكانية الوصول إلى نحو ملياري مستهلك عبر شبكة اتفاقيات التجارة الحرة.
وأضاف سعد أن المنطقة تعمل حاليا على تطوير هيكل تطبيق الضرائب، وتوضيح آليات الإعفاء من ضريبة القيمة المضافة، وإنشاء مراكز تدريب مهني ومركز للتميز لبناء القدرات المطلوبة للمستثمرين، معتبرا أن نجاح المنطقة لا يعني اكتمال المهمة وإنما استمرار العمل على تقليص مدة تأسيس الشركات وتحسين الخدمات بصورة مستمرة.
ووصف المهندس طارق توفيق، الدراسة بأنها "كاشفة"، لأنها أظهرت أن حصة مصر من الاستثمارات الأوروبية لا تصل إلى نصف في المائة، رغم أن الاتحاد الأوروبي يمتلك نحو 9.3 تريليون يورو من الاستثمارات الخارجية، بينما تتمتع مصر بمقومات تجعلها مؤهلة لجذب حصة أكبر، تشمل القرب الجغرافي، واتفاقيات التجارة الحرة، وتوافر العمالة والطاقة، واعتمادها شريكا استراتيجيا للاتحاد الأوروبي، فضلا عن حزمة الدعم الأوروبية التي تتضمن 1.8 مليار يورو لتيسير الاستثمار.
وأكد أن العقبة الرئيسية تتمثل في الصورة الذهنية لدى الشركات الأوروبية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، معتبرا أن الإصلاحات التي شهدتها مصر خلال العامين أو الثلاثة الماضية في ملفات الضرائب والتراخيص وتخصيص الأراضي كانت "مبهرة"، لكنها لا تزال أقل من المطلوب مقارنة بالدول المنافسة، داعيا إلى تحويلها إلى سياسة حكومية متكاملة. كما أشار إلى أن مصر تمتلك ميزة تنافسية كبيرة في رأس المال البشري، إذ يتخرج سنويا نحو 800 ألف خريج، بينهم حوالي 270 ألف خريج في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وهي قاعدة كفاءات قادرة على دعم التوسع في الاستثمارات الصناعية والتكنولوجية إذا ارتبطت بسياسة وطنية مستدامة للتعليم الفني والتدريب المهني.
وفي ختام الندوة، أكدت الدكتورة عبلة عبد اللطيف أن الدراسة تعمدت التركيز على التفاصيل الدقيقة الخاصة بالمنتجات وسلاسل القيمة والإصلاحات القطاعية لأنها تمثل الأدوات التنفيذية التي تحتاجها الحكومة والقطاع الخاص لتحويل الفرص إلى استثمارات، مشيرة إلى أن المركز سيواصل التعاون مع الاتحاد الأوروبي والجهات الحكومية لتطوير هذا العمل وتحويله إلى برامج عملية تدعم بيئة الأعمال في مصر.



