قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. هبة محمد عيد تكتب: جودة التعلم أم إرهاق التقييم؟.. كيف نحافظ على شغف الطفولة قبل فوات الأوان؟

د. هبة محمد عيد
د. هبة محمد عيد

​تداولت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً مقاطع فيديو مؤلمة لأولياء أمور يُكرهون أطفالهم على أداء الواجبات المدرسية باستخدام الضغط النفسي والتهديد بإجراءات قانونية في بعض الحالات لإجبار الأطفال على إنهاء التقييمات ومنع تراكمها.

ويعكس هذا المشهد حالة عميقة من الإنهاك التربوي الذي تحولت فيه العملية التعليمية من رحلة اكتشاف وتنمية مهارات إلى ساحة سباق واستنزاف عصبي يكتوي بناره المعلم والوالدان والطفل تحديداً. ولأن بناء الإنسان هو الهدف الأسمى للتعليم فإن معالجة هذا الخلل تتطلب صياغة معادلة تربوية متوازنة تستبدل منطق الإكراه بفلسفة الاقتناع والاستمتاع بالتعلم.

​فالواجبات والتقييمات أدوات وُجدت لقياس الفهم ومعالجة الفجوات وليست هدفاً بذاته. ولكي تؤدي دورها دون إرهاق المنظومة ينبغي أن تبدأ المراجعة من أعلى الهرم الإداري والتربوي بوزارة التربية والتعليم للتدخل وإعادة ضبط فلسفة التقييم خاصة في الصفوف الأولى التي تُعد مرحلة لغرس الشغف بالتعلم وبناء الشخصية ، لا مرحلة اختبارات وتصنيف للجهد. فالتوسع في التقييم التكويني القائم على الملاحظة والحوار والأنشطة التفاعلية يغني عن الغرق في تقييمات تحريرية مكثفة تُنهك المعلم وتتحول إلى عبء يطارد الطفل داخل بيته مع أهمية وضع إطار تنظيمي يحدد سقف الواجبات المنزلية بمدة لا تتجاوز عشر إلى عشرين دقيقة يومياً للأطفال في مرحلة التأسيس، حماية لنموهم النفسي والعصبي وضماناً لعدم تحويل رحلة العلم إلى سبب للرفض الدراسي المبكر.

وعلى مستوى التطبيق الميداني يظل المعلم هو السند الأساسي لهذه المعادلة. فالواجب لا يُقاس بكثرة الصفحات بل بنوعية المهام وتركيزها على الكيف قبل الكم وتمكين المعلم وتدريبه على قياس الفهم بأدوات سلسة يحرره من الروتين الإداري والتصحيح الورقي المتواصل ليوجه طاقته نحو التدريس الإبداعي ويتكاتف للشراكة مع ولي الأمر ليصبح دوره المتابعة والتشجيع والاحتواء النفسي.

ولا شك أن حرص الأسرة على مستقبل الأبناء أمر محسوم، لكن ربط الواجبات بالتخويف ينشئ رابطاً شرطياً خطيراً بين المعرفة والخوف، فالخوف قد ينتج امتثالاً شكلياً مؤقتاً للأوامر لكنه يحطم الصحة النفسية ويلغي شغف الطفل بالمعرفة، لذا ينبغي أن يكون دور الأسرة متكاملاً عبر تهيئة بيئة منزلية داعمة تجنب الطفل المشتتات وتركز على تشجيع المجهود والمحاولة بدلاً من الهوس بالحصول على الدرجة النهائية، مع العمل على فتح قنوات تواصل هادئة مع المعلم لتحديد ما يناسب القدرة الاستيعابية للطفل ومراعاة الفروق الفردية.
​
وفي التقييم التربوي والاجتماعي الميداني نرى أن الجودة الحقيقية لا تُقاس بحجم التقييمات التحريرية، وإنما بمعايير نواتج التعلم المستدامة ومدى امتلاك الطفل لمهارات التفكير النقدي والفضول العلمي والتكيف النفسي والاجتماعي. وإن الوصول إلى هذه المعادلة يتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار. فالوزارة تُنظم وتراعي خصائص النمو والمدرسة تشرح وتقيم بكفاءة والمنزل يشجع ويدعم والطفل يمارس ويكتشف. فالنجاح الحقيقي لا يقاس بإنهاء كراسات التقييم بل بنمو شخصية واثقة تحب المعرفة ولا تتهيب الخطأ. فالاستثمار الأهم في بناء الأجيال يكمن في حماية سلامتهم النفسية بنفس القدر الذي نستثمر فيه تحصيلهم الأكاديمي.