من قلب الوديان والمناطق الصحراوية، تخرج الإبل والجمال الشاردة إلى الطرق الدولية في جنوب سيناء، لتتحول في لحظات من جزء من المشهد الصحراوي إلى خطر داهم على مستخدمي الطريق، خصوصًا خلال ساعات الليل، حين قد يظهر الجمل أمام قائد السيارة على مسافة لا تتيح له فرصة كافية للتوقف أو تفادي الاصطدام.
جمال تسير على الطريق
ولم تعد القضية مجرد مشهد عابر لجمال تسير على جانبي الطريق؛ فالحوادث الموثقة على مدار سنوات، والضحايا والمصابون، ثم انتقال المشكلة إلى داخل الأراضي الزراعية بالتجمعات التنموية، تكشف عن أزمة متعددة الأبعاد تمتد من السلامة المرورية إلى حماية الإنتاج الزراعي وممتلكات المواطنين.
ويأتي مصرع المهندس خالد الغنام، في الثاني من أكتوبر 2026، إثر اصطدام سيارته بجمل ظهر بصورة مفاجئة على الطريق الدولي «النفق – شرم الشيخ»، على بُعد نحو 40 كيلومترًا من شرم الشيخ، ليعيد فتح ملف ظل حاضرًا في جنوب سيناء لسنوات.
رقم موثق يكشف حجم المشكلة.. 15 حادثًا في 6 أشهر
تكشف البيانات المنشورة في أغسطس 2022 عن رقم لافت؛ إذ أعلنت تصريحات منسوبة إلى اللواء خالد فودة، محافظ جنوب سيناء آنذاك، أن الجمال التي كانت تسير على الطرق ليلًا ونهارًا تسببت في 15 حادثًا مروريًا خلال النصف الأول من عام 2022.
وكانت تلك التصريحات قد جاءت في أعقاب اجتماع موسع لبحث الظاهرة، مع الإشارة إلى أن أماكن ظهور الجمال لم تكن ثابتة، وإن كانت هناك مناطق تتكرر فيها الظاهرة، وهو ما دفع المحافظة إلى بحث حلول بالتعاون مع المرور والطب البيطري وأصحاب الإبل.
وهذا الرقم لا يعني أن إجمالي حوادث الإبل في جنوب سيناء يقتصر على 15 حادثًا، وإنما يمثل رقمًا موثقًا لفترة زمنية محددة، إذ لا تتوافر في المصادر المفتوحة التي جرى الرجوع إليها قاعدة بيانات رسمية منشورة تجمع جميع الحوادث المرتبطة بالإبل والجمال على طرق المحافظة منذ سنوات.
2018.. حادث يكشف خطورة «العبور المفاجئ»
في يوليو 2018، شهدت جنوب سيناء حادثًا مأساويًا بعدما اصطدمت سيارتان بجمل اعترض الطريق عند مفارق كاترين، وأسفر الحادث عن وفاة شخصين، من بينهما الرائد سامح مدحت عبد ربه، أحد أفراد إدارة تأمين الطرق بجنوب سيناء، والشيخ محمد عيد طعيمة، إضافة إلى إصابة ثلاثة أشخاص.
وبعد أيام من الحادث، أعلنت الجهات التنفيذية تشكيل لجنة للمرور على الطرق التابعة لهيئة الطرق والكباري، وتحديد المناطق التي تنتشر بها الجمال، خاصة خلال موسم الرعي، مع بحث وضع علامات إرشادية قبل مناطق عبور الجمال بمسافات تسمح لقائدي السيارات بخفض السرعة واتخاذ الاحتياطات اللازمة.
لكن المشكلة لم تنتهِ عند وضع العلامات التحذيرية.
2022.. «الأطواق الفسفورية» تدخل سباق الحلول
في سبتمبر 2022، أعلنت محافظة جنوب سيناء تنفيذ إجراء جديد لمواجهة حوادث الجمال ليلًا، تمثل في تركيب أطواق فسفورية حول أعناق الجمال؛ بهدف جعلها أكثر وضوحًا أمام قائدي السيارات في الظلام.
وبحسب البوابة الرسمية لمحافظة جنوب سيناء، جرى تشكيل لجنة من المحافظة والمرور والطب البيطري لوضع آليات للحد من الحوادث الناتجة عن عبور الجمال فجأة أمام السيارات، وبدأت المرحلة الأولى بتوزيع 500 طوق فسفوري على مزارعي قرية الوادي بمدينة طور سيناء، تمهيدًا لتعميم التجربة على مدن المحافظة.
وفي تصريحات منشورة في الفترة نفسها، طُرح أيضًا اتجاه لترقيم الجمال وربطها بأصحابها، مع الاستفادة من بيانات مديرية الطب البيطري بشأن حصر الجمال وملاكها.
لكن السؤال الذي بقي مطروحًا: هل تستطيع الأطواق الفسفورية وحدها منع الجمل من الوصول إلى الطريق؟
فالطوق قد يساعد السائق على رؤية الحيوان، لكنه لا يمنع الحيوان من عبور الطريق، ولا يعالج بالضرورة أصل المشكلة، وهو ما يعيد النقاش إلى مسألة السيطرة على حركة الإبل ومسئولية أصحابها وتأمين مناطق الرعي والعبور.
2023.. الجمال تعود إلى المشهد
في نوفمبر 2023، وقع حادث تصادم بين سيارة ميكروباص وجمل بمدينة نويبع، أمام إحدى محطات الوقود بالقرب من مدخل ميناء نويبع، وأسفر الحادث، وفق التقرير المنشور، عن وفاة شخص وإصابة ثلاثة آخرين.
ويكشف هذا الحادث أن الظاهرة لم تكن مرتبطة بطريق واحد فقط، وإنما ظهرت في نطاقات مختلفة من شبكة الطرق داخل المحافظة.
2024.. أتوبيس و34 مصابًا بسبب جمل
وفي 12 يونيو 2024، اصطدم بجمل عابر للطريق على الطريق الدولي بنطاق مدينة رأس سدر، على بُعد نحو 14 كيلومترًا من كمين رأس سدر في اتجاه نفق الشهيد أحمد حمدي.
وأسفر الحادث عن إصابة 34 شخصًا، مع الدفع بتسع سيارات إسعاف للتعامل مع المصابين، بحسب ما أوردته تقارير صحفية عن الحادث.
ويقدم هذا الحادث نموذجًا واضحًا لحجم الخطر؛ فالجمل لا يصطدم بسيارة واحدة بالضرورة، وإنما يمكن أن يؤدي ظهوره المفاجئ إلى فقدان سائق حافلة السيطرة على مركبته، بما يضاعف عدد الضحايا والمصابين في حادث واحد.
2026.. خالد الغنام يعيد الملف إلى الواجهة
بعد مرور سنوات على حوادث سابقة، عاد الملف بقوة عقب وفاة المهندس خالد الغنام إثر اصطدام سيارته بجمل ظهر فجأة على الطريق الدولي «النفق – شرم الشيخ»، على مسافة نحو 40 كيلومترًا من شرم الشيخ.
وأفادت التقارير بأن الجهات المختصة انتقلت إلى موقع الحادث، ونُقل جثمان المتوفى إلى مستشفى شرم الشيخ الدولي، بينما باشرت الجهات المعنية التحقيق في ملابسات الواقعة.
وبذلك، فإن حادث الغنام ليس واقعة معزولة عن سياق سابق؛ بل يأتي بعد سنوات من الحوادث الموثقة، وبعد إجراءات وحلول سبق الإعلان عنها لمواجهة ظاهرة الإبل على الطرق.
المشكلة لا تنتهي عند الأسفلت.. الجمال تقتحم مزارع سهل القاع
الوجه الآخر للأزمة يظهر داخل الأراضي الزراعية.
ففي سهل القاع، أحد المناطق الزراعية المهمة بجنوب سيناء، أصبحت حماية المزارع من الحيوانات السائبة تحديًا يواجه بعض المنتفعين، في وقت تمثل فيه التجمعات الزراعية جزءًا من مشروعات توطين التنمية في سيناء.
ووفق وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، تضم المشروعات الزراعية في سيناء 18 تجمعًا زراعيًا، منها 7 تجمعات في جنوب سيناء، بإجمالي مساحة تقارب 11 ألف فدان للمشروع بالكامل، ويستفيد منها نحو 2122 منتفعًا، إلى جانب توفير فرص عمل موسمية.
ومن هنا، فإن دخول الإبل إلى الأراضي الزراعية لا يمثل مجرد إتلاف لمحصول، بل قد يعني خسارة مباشرة لمنتفع يعتمد على الأرض كمصدر دخل، ويهدد الهدف التنموي من إنشاء هذه التجمعات.
«30 جملاً» تقتحم مزرعة.. والمزارعون يطالبون بالحماية
ويقول مزارعون في طور سيناء إن المشكلة وصلت إلى حد اقتحام قطعان من الإبل للمزارع.
وقال المزارع عصام أنور إنه فوجئ باقتحام نحو 30 جملًا مزرعته، ما أدى إلى إتلاف الزراعات والنباتات الخضراء التي عمل على زراعتها ورعايتها.
ويطالب أنور بوضع آلية للسيطرة على الإبل الشاردة، خصوصًا في المناطق القريبة من التجمعات الزراعية، مؤكدًا أن استمرار دخولها إلى المزارع يهدد جهود المزارعين ويضاعف خسائرهم.
من جانبه، يطالب المزارع وليد أبو حضيري بإجراءات أكثر حسمًا لمنع الجمال السائبة من الوصول إلى الأراضي الزراعية، مع تحميل أصحابها مسؤولية السيطرة عليها والتعاون مع المزارعين.
من العلامات التحذيرية إلى الأسوار.. لماذا تتكرر المشكلة؟
في عام 2017، نشرت الصحف تقريرًا عن ظهور أعداد من الجمال على الطريق الدولي ومدخل شرم الشيخ، وأشارت إلى أن لافتات التحذير الموجودة على الطرق لم تمنع خروج الجمال من المناطق الجبلية. كما أشار التقرير إلى قرار سابق لمحافظ جنوب سيناء الأسبق اللواء مصطفى عفيفي بشأن منع سير الماعز واحتجازها بمعرفة الطب البيطري مقابل تحمل صاحب الحيوان تكلفة إطعامه.
وفي 2018، اتجهت المعالجة إلى تحديد المناطق التي تنتشر فيها الجمال ووضع علامات تحذيرية.
وفي 2022، انتقلت الإجراءات إلى الأطواق الفسفورية، مع الحديث عن ترقيم الجمال وحصر أصحابها.
ومع ذلك، شهدت المحافظة حوادث موثقة بعد هذه الإجراءات، بينها حادث 2023، وحادث 2024 الذي أصيب فيه 34 شخصًا، ثم حادث وفاة المهندس خالد الغنام في 2026.
وهنا تظهر الفجوة بين التحذير من الخطر ومنع وصول مصدر الخطر إلى الطريق.
ماذا تقول الأرقام المتاحة؟
تكشف الوقائع المنشورة التي أمكن توثيقها عن الصورة التالية:
15 حادثًا بسبب الجمال خلال النصف الأول من عام 2022، وفق تصريحات منشورة لمحافظ جنوب سيناء آنذاك.
حادث يوليو 2018: حالتا وفاة و3 مصابين إثر حادث تصادم مرتبط بجمل عند مفارق كاترين.
حادث نوفمبر 2023 في نويبع: حالة وفاة و3 مصابين إثر تصادم ميكروباص بجمل.
حادث يونيو 2024 برأس سدر: 34 مصابًا إثر اصطدام أتوبيس بجمل عابر للطريق.
حادث أكتوبر 2026: وفاة المهندس خالد الغنام إثر اصطدام سيارته بجمل ظهر بصورة مفاجئة على الطريق الدولي «النفق – شرم الشيخ».
المسألة في جوهرها ليست صراعًا بين «الجمال» و«السيارات»، وإنما قضية تنظيم مسئولية.
فالإبل جزء أصيل من البيئة والتراث والاقتصاد المحلي في جنوب سيناء، كما أن المحافظة تستضيف أنشطة وفعاليات مرتبطة بسباقات الهجن، لكن وجود الإبل لا يعني تركها تتحرك دون سيطرة بالقرب من الطرق السريعة أو الأراضي الزراعية.
والحل المستدام يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ من حصر وترقيم الحيوانات، وتحديد ملاكها، وتطبيق قواعد واضحة لمسؤولية المالك، وتحديد مناطق الرعي والعبور، وتأمين المناطق الزراعية، ووضع حواجز في النقاط شديدة الخطورة، إلى جانب العلامات والتحذيرات والإنارة المناسبة.
المزارعون يطلبون «حماية الأرض».. والمسافرون يطلبون «أمان الطريق»
في سهل القاع والتجمعات الزراعية، يريد المزارع أن يجد محصوله في مأمن من الحيوانات السائبة.
وعلى الطريق الدولي، يريد السائق أن يقطع المسافة بين مدن جنوب سيناء دون أن يفاجأ بجمل يقف أمام سيارته في ظلام الليل.
وبين المطلبين تقف مسئولية الجهات المعنية عن وضع نظام يمنع وصول الإبل إلى الأماكن التي يمكن أن تتحول فيها إلى خطر على الإنسان أو خسارة للمزارع.
ملف قديم.. وحادث جديد.. والسؤال ما زال قائمًا
منذ سنوات، ظهرت مقترحات وحلول: علامات تحذيرية، لجان لحصر مناطق انتشار الجمال، أطواق فسفورية، وترقيم للحيوانات وربطها بأصحابها.
وفي سبتمبر 2022، أعلنت المحافظة رسميًا تنفيذ توزيع 500 طوق فسفوري في المرحلة الأولى بمدينة طور سيناء.
لكن عودة الحوادث في السنوات التالية تطرح سؤالًا يحتاج إلى إجابة بالأرقام والبيانات الرسمية:
كم عدد الجمال التي جرى ترقيمها؟ وكم عدد الأطواق التي لا تزال مستخدمة؟ وكم عدد الحوادث التي وقعت منذ تطبيق هذه الإجراءات؟ وكم عدد ملاك الإبل الذين جرى تحرير محاضر ضدهم بسبب ترك حيواناتهم بالقرب من الطرق؟
كما يظل سؤال آخر أكثر أهمية بالنسبة للتجمعات التنموية:
من يتحمل خسائر المزارعين عندما تدخل قطعان الإبل إلى الأراضي الزراعية وتتلف المحاصيل؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها التحذيرات المرورية وحدها، ولا تكفي فيها الحلول المؤقتة؛ وإنما تحتاج إلى بيانات رسمية معلنة ومنظومة واضحة للمسؤولية والمحاسبة.
واقترح الشيخ رمضان رويبض، من مشايخ جنوب سيناء، أن توضع أسلاك شائكة علي طول الطريق لمنع عبور الإبل والجمال، خاصةً في الأماكن التي تخرج منها على الطريق.
ففي جنوب سيناء، لم تعد القضية مجرد «جمال شاردة على الطريق»؛ وإنما أصبحت قضية سلامة إنسان، وحماية محصول، وصيانة استثمار تنموي، ومسؤولية يجب أن تبدأ قبل وقوع الحادث لا بعده.






