قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد عاطف آدم يكتب: سيمفونية سيناء ويقين الرجال

أحمد عاطف آدم
أحمد عاطف آدم

​«ما شفش الرجال السمر الشداد.. فوق كل المحن، ولا شاف العناد في عيون الولاد وتحدي الزمن»

​حين يتأمل التاريخ صفحات المجد، يقف خاشعاً أمام طينة الأبطال الذين صنعوا المعجزة في السادس من أكتوبر عام 1973. فعلى رمال سيناء المفعمة بعبق الصبر والبطولة، لم تكن الخطوات تقدماً عسكرياً فحسب، بل دقات سيمفونية كبرى يعزفها «الرجال السمر الشداد» الذين صهرتهم الشمس وملأت قلوبهم سكينة اليقين، بعد أن هبوا وهم عطاشا لرمق النصر وحضن التراب المسترد. وما كانت غايتهم دفاعاً عن حدود مادية، بل حراسةً لروح أمة تأبى الانكسار، وإثباتاً للعالم أن الإرادة المصرية قادرة على تفتيت صخور المستحيل.

​في الضفة الأخرى من نهر الوطن، ظلت المعركة توأماً لنبض الشارع ووجداناً صادقاً وملهماً لملايين المواطنين الذين حملوا همّ بلدهم على أعناقهم طيلة سنوات إحباط نكسة 67، وسط مجتمع شكّل جبهة صلبة متماسكة بددت قسوة الألم وضغط الواقع، ومنعت تسرب اليأس إلى النفوس، وحولت المحنة إلى وقود دائم للعمل. وتجلت عواطف الأهالي في أطهر صورها؛ أمهات قدّمن الأبناء عن طواعية، وعمال يسابقون الزمن لمدّ الجبهة الداخلية بما تحتاجه، ونساء ترقبن الأفق بالدعوات.

​هذا المناخ الشعبي الملهم غرس في عقول الجنود عقيدة لا تهتز؛ إذ كان المقاتل يؤمن بأنه لا يجاهد بمفرده، بل يحمل معه دعوات الملايين وآمال شعب كامل، ليشرق من رحم هذا التلاحم نصرٌ تتكئ تفاصيله على صلابة العقيدة. وقد مهد اليقين العارم بقوامه الصلب لصرخة الميدان، بدءاً من صدور أوامر القائد الأعلى لقواتنا المسلحة الرئيس الراحل محمد أنور السادات رحمه الله بشجاعة نادرة، ليصعق العدو بضربة جوية أولى غير متوقعة، بعثرت كل حساباته وأفقدته صوابه في أجزاء من الثانية، إلى شموخ العقل الهندسي المصري الذي أبهر العالم؛ فبينما كان العدو يراهن على «خط بارليف» وساتره الترابي المنيع باعتباره عقبة أسطورية تستحيل إزالتها إلا بمتفجرات هائلة وأيام طويلة، برزت العبقرية الخلاقة لابن مصر البار اللواء مهندس باقي زكي يوسف؛ بخبرته العملية في تجريف الجبال والرمال بمضخات المياه العملاقة أثناء عمله بمشروع السد العالي، ليكون أثر تلك الفكرة هو: استخدام مياه القناة ذاتها عبر مضخات ضغط عالٍ لتحويل الساتر الشاهق إلى طين سيال يذوب في ساعات معدودة. وحين التقطت القيادة العسكرية خيوط الفكرة وأخضعتها لاختبارات دقيقة، تحولت إلى مفتاح السحر الذي شق الممرات للآليات والدبابات، ليهوي الحصن المنيع وتفتح أبواب العبور أمام جحافل الرجال.

​ولم تقتصر المعجزة على تحطيم السدود والأسوار، بل تألقت في أطهر صورها الفردية على خط النار، حيث خطّ أبطال الصاعقة والمشاة ملاحم الإعجاز فوق رمال سيناء. وهناك، في قلب الميدان المشتعل، وقف محمد عبد العاطي ابن دلتا النيل «صائد الدبابات» متخندقاً في سكونه الواثق، يتربص بكتائب الآليات المتقدمة بعين مجهرية لا تخطئ، وبدمٍ حرّ ينبض باليقين. لم يكن يواجه مجرد حديد، بل يقتنص رتل العدو المصفح بصواريخِه القاصفةِ ودقتها المذهلة، حتى أسقط أكثر من عشرين دبابة ومدرعة، في مطاردة نارية محتدمة، أربكت جنون التكنولوجيا الإسرائيلية وأحالتها لرماد في لحظات فائقة الإبداع والبلاغة القدرية؛ فتجسدت قدرات هؤلاء الجنود البواسل على أرض الواقع؛ بتحول الفرد ذاته إلى جيش جرار.

​هكذا بدا نصر أكتوبر أمام القاصي والداني ملحمة عسكرية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وميلاداً متجدداً لروح مصرية لا تعرف الهوان، وبرهاناً ساطعاً على أن الأوطان لا تبنيها الجدران وحدها، بل يصنعها الرجال بعزمهم وصبرهم. فعلى تلك الرمال التي امتزجت بدماء الأبطال، طوت سيناء جراح الهزيمة وكتبت بمداد الفخر ملحمة بقاء تعبر الحدود والأزمنة؛ فظل صدى سيمفونية أكتوبر يتردد في وجدان الأجيال، تذكرةً خالدةً بأن هذه الأرض العريقة تبتلع العواصف وتزهر دائماً بوعي أبنائها وشجاعتهم، لتظل رايتها خفاقة شاهقة، وشاهدة على أن اليقين بالله وحده هو الذي يغير وجه التاريخ.