يستعد الديمقراطيون الأمريكيون لتكثيف المواجهة السياسية والرقابية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حال استعادة السيطرة على الكونجرس، عبر فتح ملفات شائكة تتعلق بالسياسة الخارجية والإنفاق العسكري والعمليات الأمريكية في أمريكا اللاتينية، إلى جانب تنظيم الذكاء الاصطناعي ومساءلة الإدارة عن قراراتها.
وتكشف مواقف عدد من النواب والسيناتورات الديمقراطيين، وفقًا لما أورده تقرير مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، عن توجه نحو استخدام الأدوات التشريعية وجلسات الاستماع والتحقيقات البرلمانية للضغط على إدارة ترامب، وإعادة صياغة بعض أولويات واشنطن الأمنية والتكنولوجية.
وتتصدر هذه الملفات الخلافات بشأن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وطبيعة الدعم المقدم لأوكرانيا، والضربات العسكرية في منطقة الكاريبي، والسياسة الأمريكية تجاه فنزويلا، فضلًا عن وضع ضوابط قانونية أكثر صرامة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي واستخدامها.
1- أوكرانيا وحلف الناتو.. الديمقراطيون يرفضون تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا
تأتي العلاقة مع أوروبا والحرب الروسية الأوكرانية في مقدمة الملفات التي يعتزم الديمقراطيون التحرك بشأنها، إذ يرفضون خطط إدارة ترامب المحتملة لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، ويرون أن واشنطن لا ينبغي أن تتخلى عن التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها.
ونقلت «فورين بوليسي» عن النائب الديمقراطي جيسون كرو قوله إن حزبه سيقاوم أي خطوات تستهدف تقليص الانتشار العسكري الأمريكي في أوروبا، في ظل خلافات جوهرية مع توجهات الإدارة الحالية.
ويعتزم الديمقراطيون الدفع نحو تسريع إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، من خلال قانون تفويض الدفاع الوطني، وتعزيز تمويل مبادرة المساعدة الأمنية لأوكرانيا، إلى جانب الضغط على الإدارة الأمريكية لاستكمال عمليات شراء الأسلحة وإيصالها إلى كييف.
وفي هذا السياق، قال النائب جيم هايمز، أبرز الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، خلال حديثه من وارسو، إن حزم المساعدات العسكرية يمكن أن تنتقل من مسار يستغرق تسعة أشهر إلى تسعة أيام، أو تسعة أسابيع على أقصى تقدير، بما يبعث برسالة دعم مختلفة إلى أوكرانيا.
ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن هناك توافقًا متزايدًا داخل الحزب الديمقراطي بشأن ضرورة تحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن أمنها، في ظل الضغوط المالية التي تواجه الولايات المتحدة.
2- الحرب مع إيران.. مساءلة ترامب عن التكلفة والخسائر
تمثل الحرب الأمريكية على إيران محورًا آخر للمواجهة المحتملة، إذ يسعى الديمقراطيون إلى تعزيز الرقابة البرلمانية على العمليات العسكرية، ومطالبة الإدارة بتقديم معلومات واضحة بشأن تكلفتها والخسائر البشرية والأضرار التي لحقت بالمنشآت العسكرية.
وبحسب «فورين بوليسي»، يعتزم الديمقراطيون، حال استعادة الأغلبية في مجلس النواب، استخدام لجان الكونجرس وصلاحيات الاستدعاء للحصول على معلومات بشأن مجريات الحرب، ومخزونات الأسلحة الأمريكية، ومدى كفاية الإجراءات المتخذة لحماية القوات المنتشرة في الشرق الأوسط.
ونقل التقرير عن جيسون كرو تأكيده ضرورة معرفة التكلفة الفعلية للحرب، وحجم الخسائر والأضرار، ومدى قدرة الجيش الأمريكي على حماية نحو 55 ألف عسكري أمريكي منتشرون في المنطقة من الهجمات بالطائرات المسيرة.
كما دعا السيناتور الديمقراطي كريس مورفي إلى إنهاء الحرب، منتقدًا ما اعتبره حجبًا للمعلومات عن الكونجرس والرأي العام بشأن تداعيات العمليات العسكرية.
وأشار التقرير إلى أن سيطرة الديمقراطيين على الكونجرس قد تمنحهم نفوذًا أكبر للتأثير في تمويل الحرب، من خلال ربط الاعتمادات الدفاعية بشروط تتعلق باستمرار العمليات العسكرية أو إنهائها.
3- الضربات في الكاريبي وفنزويلا.. تحقيقات في العمليات العسكرية والنفط
تواجه العمليات العسكرية الأمريكية في البحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ انتقادات من الديمقراطيين، على خلفية الضربات التي استهدفت قوارب تتهمها واشنطن بالارتباط بتهريب المخدرات.
ووفقًا لـ«فورين بوليسي»، أسفرت هذه الضربات عن مقتل ما لا يقل عن 246 شخصًا، فيما شكك خبراء قانونيون في مشروعيتها بموجب القانونين الأمريكي والدولي، بينما تقول إدارة ترامب إنها تستهدف أشخاصًا متورطين في أنشطة إجرامية خطيرة.
ومن المتوقع أن يسعى الديمقراطيون إلى توسيع الرقابة على هذه العمليات، عبر عقد جلسات استماع وفتح تحقيقات بشأن الأسس الاستخباراتية والقانونية التي تستند إليها، مع إمكانية استخدام سلطة الكونجرس على الموازنة لتقييد تمويل بعض العمليات العسكرية في المنطقة.
ويمتد الخلاف إلى السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا، حيث أثار تعامل إدارة ترامب مع السلطات التي تولت الحكم بعد إزاحة نيكولاس مادورو جدلًا واسعًا، خصوصًا مع عدم الدفع نحو انتقال ديمقراطي واضح أو دعم زعيمة المعارضة المنفية ماريا كورينا ماتشادو.
كما أثار ملف النفط الفنزويلي تساؤلات بشأن طبيعة المصالح الأمريكية في البلاد، بعدما أعلنت واشنطن، في أواخر أغسطس، اتفاقًا قالت الإدارة إنه يمنح الولايات المتحدة «السيطرة» على أكثر من 65 مليار برميل من النفط الفنزويلي.
ويرى منتقدو الإدارة أن هذه التطورات تستدعي مزيدًا من الشفافية بشأن عائدات النفط وترتيبات الإنتاج، وما إذا كانت المصالح التجارية تؤثر في القرارات الجيوسياسية الأمريكية.
4- الذكاء الاصطناعي.. ضوابط قانونية لمواجهة المخاطر
يشكل تنظيم الذكاء الاصطناعي جبهة أخرى للمواجهة بين الديمقراطيين وإدارة ترامب، إذ يرى نواب في الحزب أن الإدارة لا تتخذ احتياطات كافية للحد من المخاطر المحتملة للتقنيات المتقدمة.
وتشير «فورين بوليسي» إلى أن الإدارة الأمريكية اعتمدت على تعهدات طوعية من شركات التكنولوجيا بدلًا من فرض منظومة إلزامية للرقابة، وهو ما يراه الديمقراطيون غير كافٍ لضمان الاستخدام الآمن لهذه التقنيات.
وقال النائب جيسون كرو إن الحكومة بحاجة إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي بالقدر الذي يسمح بوضع ضمانات مناسبة، معتبرًا أن الرئيس ترامب لا يستطيع إدارة هذا الملف بمفرده دون تدخل مؤسسي ورقابي.
من جانبه، طرح السيناتور كريس مورفي ثلاثة مسارات تشريعية يرى إمكانية تطبيقها، تشمل تجريم استخدام التزييف العميق في الحملات السياسية أو إلزام الجهات المنتجة للمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي بوضع علامات مائية تميزه، وحظر روبوتات الصداقة التي تستهدف الأطفال، وإقرار نظام للموافقة الحكومية المسبقة على إطلاق نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
واعتبر مورفي أن هذه الإجراءات قابلة للتنفيذ ولا تنطوي بالضرورة على خلاف حزبي حاد، ويمكن أن تسهم في استعادة ثقة المواطنين بقدرة الكونجرس على مواجهة المخاطر الناجمة عن التطور التكنولوجي.
5- شبهات الفساد وتضارب المصالح.. أموال أجنبية وعلاقات تجارية تحت المجهر
تتصدر مزاعم الفساد وتضارب المصالح قائمة الملفات التي يعتزم الديمقراطيون التحقيق فيها، في إطار مساعيهم لفحص العلاقة بين القرارات الحكومية والمصالح التجارية للرئيس ترامب وأفراد عائلته ومقربين منه.
وبحسب «فورين بوليسي»، يتهم الديمقراطيون ترامب باستخدام ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية لتحقيق مكاسب تجارية، وهو ما قد يدفعهم إلى فتح تحقيقات بشأن الهدايا الأجنبية المقدمة للرئيس، والاستثمارات المرتبطة بأعمال عائلته، والقرارات المتعلقة بتصدير التكنولوجيا المتقدمة.
ومن بين الملفات المحتملة، قبول ترامب طائرة فاخرة من قطر، إلى جانب تساؤلات بشأن استثمارات إماراتية في مشروع للعملات المشفرة مرتبط بعائلة ترامب، وقرار السماح بتصدير شرائح إلكترونية متقدمة إلى الإمارات، وسط مخاوف من احتمال انتقال التكنولوجيا إلى الصين.
كما يتوقع أن يركز الديمقراطيون على دور المبعوثين والمقربين من الرئيس في إدارة المفاوضات الدبلوماسية الحساسة، بما في ذلك الملفات المرتبطة بدول الخليج، ومدى خضوع هذه الاتصالات للرقابة المؤسسية.
ويمنح الفوز بأغلبية مجلس النواب الديمقراطيين سلطة رئاسة اللجان التشريعية وإجراء جلسات استماع موسعة وطلب الوثائق واستدعاء المسؤولين، فيما قد تتيح لهم السيطرة على مجلس الشيوخ نفوذًا إضافيًا في التصويت على تعيينات المسؤولين المعنيين بالأمن القومي.
وتظل هذه التحركات مرهونة بنتائج انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر، وبمدى قدرة الديمقراطيين على حشد الدعم داخل الكونجرس، إذ إن استعادة الأغلبية ستمنحهم أدوات رقابية وتشريعية أوسع، لكنها لن تعني بالضرورة قدرتهم على فرض جميع التغييرات التي يسعون إليها.