دراسة تكشف علاقة مثيرة بتراجع خطر السكري
دقائق من الحركة بدلاً من ساعات الخمول.. تغيير حياتك
الحركة القصيرة لمواجهة السكري
بالنسبة لأي شخص يجد صعوبة في إيجاد وقت لممارسة التمارين الرياضية وسط جدول أعماله المزدحم، تقدم دراسة جديدة سبباً مثيراً للاهتمام لإعادة التفكير في مفهوم ممارسة الرياضة. فماذا لو كان تحسين مستويات السكري في الدم لا يتطلب دائماً قضاء وقت طويل في صالة الألعاب الرياضية، أو اتباع نظام لياقة بدنية معقد، أو حتى تخصيص وقت محدد للتمارين؟ لقد وجد الباحثون أن فترات قصيرة من النشاط البدني المكثف -لا تتجاوز الدقيقة الواحدة في كل مرة- يمكن أن تساعد المصابين بمرض السكري من النوع الثاني في ضبط مستويات السكر في دمهم.
يعتمد هذا النهج، الذي يُشار إليه غالباً بمصطلح "وجبات التمارين الخفيفة" (exercise snacks)، على تقسيم النشاط البدني إلى فترات قصيرة يسهل القيام بها على مدار اليوم. فبدلاً من تخصيص 30 إلى 45 دقيقة متواصلة للرياضة، يمكن للأفراد دمج فترات قصيرة من الحركة ضمن روتينهم اليومي المعتاد.
ما الذي توصلت إليه الدراسة؟
بحثت الدراسة، التي نُشرت في دورية "ديابيتولوجيا" (Diabetologia) عام 2026، فيما إذا كانت فترات التمرين القصيرة والمكثفة يمكن أن تحسّن من تنظيم مستوى الجلوكوز لدى المصابين بداء السكري من النوع الثاني. وقد درس باحثون من جامعة ماكماستر وجامعة بريتيش كولومبيا 31 بالغاً مصاباً بداء السكري من النوع الثاني، ممن كانت حالاتهم تحت السيطرة الجيدة ولا يتلقون علاجاً بالأنسولين. كان المشاركون في الدراسة قليلي النشاط بدنياً، وطُلب منهم أداء 4 جولات يومياً -تستغرق كل منها دقيقة واحدة- من التمارين البدنية المكثفة التي تعتمد على وزن الجسم، وذلك على مدار يومين متتاليين. وجرت مراقبة استجابات مستويات السكر في دمهم باستخدام أجهزة المراقبة المستمرة للجلوكوز.
جاءت النتائج مشجعة؛ إذ شهد المشاركون الذين أدوا هذه التمارين القصيرة انخفاضاً في ارتفاع مستويات السكر في الدم بعد وجبتي الإفطار والعشاء، مقارنة بالأيام التي لم يمارسوا فيها أي تمارين. كما لاحظ الباحثون تحسناً في مؤشرات تقلبات سكر الدم، مما يشير إلى أن فترات النشاط البدني الوجيزة هذه ساعدت في جعل مستويات الجلوكوز أكثر استقراراً.
ومن المثير للاهتمام أن متوسط الفرق الإجمالي في مستويات الجلوكوز في الدم بين حالتي ممارسة التمارين الرياضية وعدم ممارستها لم يكن ذا دلالة إحصائية. وهذا يعني أن النتائج تشير إلى تحسن في التعامل مع ارتفاع مستويات الجلوكوز بعد تناول الوجبات، بدلاً من حدوث انخفاض كبير في مستويات السكر في الدم بشكل عام.
رابط "سبرينغر نيتشر" (Springer Nature)
ما هي "وجبات التمارين الرياضية الخفيفة" (Exercise Snacks) وكيف تعمل؟
تعتمد فكرة "وجبات التمارين الرياضية الخفيفة" على مبدأ بسيط للغاية؛ فبدلاً من اعتبار النشاط البدني أمراً يتطلب جلسة تدريبية مخصصة، يتم تقسيمه إلى فترات قصيرة ومكثفة على مدار اليوم.
ومن أمثلة ذلك:
- الجري أو الهرولة في المكان لمدة دقيقة واحدة.
- الصعود والنزول السريع على درجة ثابتة.
- أداء تمارين القرفصاء (باستخدام وزن الجسم) أو تمارين النهوض من وضعية الجلوس.
- صعود درج (سلالم).
- أداء حركات جانبية سريعة لفترات قصيرة.
وفي هذه الدراسة، تم تشجيع المشاركين على ترك فاصل زمني لا يقل عن ساعة بين هذه الجلسات، مع إجراء بعضها في غضون 30 إلى 60 دقيقة بعد الوجبات الرئيسية. وتستند هذه الطريقة إلى أساس علمي مثير للاهتمام؛ فعندما تنقبض العضلات أثناء النشاط البدني، فإنها تصبح قادرة على امتصاص الجلوكوز من مجرى الدم لاستخدامه كمصدر للطاقة. وتساعد هذه العملية في الحد من ارتفاع مستويات السكر في الدم الذي يحدث عادةً بعد تناول الطعام.

هل يمكن لأربع دقائق حقاً الوقاية من مرض السكري؟
هناك فارق مهم يجب توضيحه هنا؛ فبينما تقدم هذه النتائج نهجاً مشجعاً للتحكم في مستويات السكر في الدم، إلا أنها لا تثبت أن ممارسة التمارين الرياضية لمدة أربع دقائق يومياً كفيلة بالوقاية من مرض السكري من النوع الثاني. فقد شملت الدراسة 31 مشاركاً فقط ممن كانوا مصابين بالفعل بهذا المرض، كما استمر التدخل التجريبي ليومين فقط. لذا، فإن معرفة ما إذا كانت هذه الفوائد ستستمر على مدى أسابيع أو أشهر، أو ما إذا كانت ستؤدي فعلياً إلى تقليل خطر الإصابة بالسكري، تتطلب إجراء المزيد من البحوث.
كما ينبغي ألا يحل هذا الروتين القائم على ممارسة التمارين لمدة أربع دقائق محل النشاط البدني المنتظم أو الرعاية الطبية. إذ لا تزال التوصيات العامة تحث البالغين على ممارسة ما لا يقل عن 150 دقيقة من النشاط البدني متوسط الشدة أسبوعياً، إلى جانب تمارين تقوية العضلات.
ومع ذلك، بالنسبة للأشخاص الذين يجدون صعوبة في البدء، قد تكون "جرعات التمارين السريعة" (أو ما يُعرف بـ "وجبات التمارين الخفيفة") خطوة أولى عملية نحو تبني نمط حياة أكثر نشاطاً. ففي نهاية المطاف، لا يشترط دائماً أن يبدأ الروتين الصحي بقضاء ساعة في صالة الألعاب الرياضية؛ فأحياناً، يكون تخصيص القليل من الوقت للحركة بدايةً جيدة.

