محمد نبيل يكتب: «الخلية» أكثر من فيلم «أكشن»
شاءت الأقدار أن ينتظر المخرج طارق العريان حتى هذا التوقيت لطرح فيلمه الجديد "الخلية" للمنافسة ضمن موسم سينمائى خال من "الأكشن"، قبل أن يصطدم بفيلم "هروب اضطرارى"، وبالتالى شغف الجمهور برؤية ما هو العمل الذى يعود به الفنان أحمد عز بعد فيلمه "ولاد رزق" وسط حملات دعائية كبيرة.
لم يكن تجميع أبطال الفيلم من الشرطة فى بداية الأحداث مجانيا، حيث نجح من خلاله المؤلف صلاح الجهينى عن طريق حوار سريع فى تمرير الكثير من المعلومات عن تفاصيل حياتهم وخلفياتهم الشخصية، رغم إغفاله الإجابة عن عدد من الأسئلة فيما بعد كانت ستساهم فى ارتباط المشاهدين ببطله أحمد عز أضعاف ذلك.
أكثر من حادث كان من السهولة توقعه بداية من التأسيس لشخصية الضابط عمرو "أحمد صفوت" ومدى ارتباطه بعائلته، حتى إعطائه لسيف "أحمد عز" خطابا يسلم لزوجته فى حال استشهاده، وكل هذا السرد الذى يؤسس لوفاته ومن ثم نقطة انطلاق تصاعد الأحداث بشكل منطقى تماما، وتؤدى أيضا إلى تورط هذه العائلة فيما بعد فى الضغط على بطل الفيلم.
جهد كبير بذله صناع "الخلية" فى تقديم صورة أشبه للحقيقة فى الاستعدادات النفسية واللوجستية التى تسبق عمليات الاقتحام الكبرى وتقوم بها قوات العمليات الخاصة فى مصر، أما التفجيرات والمطاردات فقد تم تنفيذها بإقناع وواقعية ملفتة، ولكن خطاب قائد الإرهابيين قبل لحظات من اقتحام مقر جماعته لم يكن موفقا من حيث توقيته.
المخرج طارق العريان لم يلهو كثيرا بالكاميرا الطائرة، والتى أصبح استخدامها مؤخرا فى مشاهد السينما إما للدلالة على سخاء الإنتاج أو محاولة لإظهار إمكانات المخرج، ولكن خلال أحداث الفيلم وضح مدى تركيزه فى وضع العدسات بالمكان المناسب كل مرة، واستخدم اللقطات الواسعة فى بداية الفيلم للانتقال من العام للخاص، وقدم أيضا لقطات تلصص الكاميرا عندما جاءت عناصر الأمن لاقتحام وكر "الخلية" فى غفلة منهم، أو اللقطات الضيقة والمتوسطة أثناء معارك البطل سواء فى مباراة الملاكمة أو فى السوق بحثا عن خيوط للقضية موضوع الفيلم، وساهم المونتاج فى إظهارها بشكل جيد.
بالرغم من تذبذب علاقة أمينة خليل وأحمد عز والتى تم توضيحها بعناية من المشهد الأول للفيلم والتأكيد عليها خلال الأحداث، إلا أن إخفاءها عنه إصابتها وعلاجها من مرض السرطان لم تكن مقنعة فى ظل لقاءاتهما شبه الدورية نتيجة قربهما من عائلة صديقهما المشترك أحمد صفوت وزوجته عائشة بن أحمد، وأخذ التأسيس لعلاقتهما الكثير من وقت الفيلم فى محاولة لتمرير جانب رومانسى هبط بالإيقاع أكثر من اللازم.
تماشت الموسيقى التصويرية مع الأحداث وعبرت عنها تماما، وكانت بديلا للحوار بداية من خروج "سيف" من المستشفى، مرورا بمراحل اكتئابه وتعافيه وعودته للحياة بشكل طبيعى، فى حين ثمة ملاحظات للكثيرين على مكساج الصوت أكثر من مرة، منها مشهد طلب أحمد عز من محمد ممدوح بمنزله جمع معلومات عن "مروان"، قائد الخلية الإرهابية فى مصر والمتسبب الأول فى مقتل زميله، دون علم أجهزة الأمن، وبين لقطة وأخرى انخفض الصوت وارتفع عدة مرات دون مبرر.
كما أن عوارا بالمؤثرات البصرية حدث فى مشهد تفجير ريهام عبد الغفور لنفسها ولم يكن على المستوى، خاصة أن التفجيرات الحقيقية التى سبقت وتلت هذا التفجير "المصطنع" كانت رائعة، ولا سيما عندما قفز أحمد عز من نافذة المنزل الذى حدث به التفجير فى اللقطة التالية تماما، وكيفية تنفيذ خروجه من نافذة ضيقة تسبقه إليها ألسنة اللهب والدخان.
الفيلم يختصر خطوات على الفنان سامر المصرى فى دور "مروان" وعائشة بن أحمد فى دور "نهى" من أجل تحقيق فرصة كبيرة لهما فى الظهور الأول بالسينما المصرية على نحو غير مسبوق، "عائشة" بدت أفضل من أعمالها السابقة فى الدراما المصرية عبر "ألف ليلة وليلة" مع المخرج رؤوف عبد العزيز، و"شهادة ميلاد" مع المخرج أحمد مدحت، وقامت بمجهود للوصول إلى لكنة مصرية مقبولة، أما "سامر" فقد أضاف تحدثه بأكثر من لكنة عربية حتى داخل المشهد الواحد، ليؤكد بذلك أنه إرهابى مرتزق لا ينتمى إلى دولة بعينها.
تحد من نوع خاص خاضه صناع العمل عندما قرروا أن ينتقلوا بالفصل الأخير من الأحداث إلى مناطق وسط المدينة ومترو الأنفاق فى ذروة النهار، وهو ما ساهم فى تقريب المُشاهد من الأحداث، عكس ما يتم تنفيذه فى هذه النوعية من الأفلام التى تُختصر فيها التفجيرات على الجراجات والشوارع الخاوية، فضلا عن مدى صعوبة وكلفة تنفيذها، وما أضاف الإثارة لها أيضا هو خلوها – عكس أغلب أحداث الفيلم - من أى توقعات، فقط انتظر المشاهدون للنهاية حتى يستوعبوا ما يحدث.
فيلم "الخلية" بميزانية كبيرة واعتمادا على ممثلين ليسوا نجوم شباك بالمفهوم التجارى، استطاع أن يحصد احترام الجميع ويحقق إيرادات مُرضية، تعيد لأحمد عز بريقه من جديد، خاصة بعد الجهد الكبير الذى بذله على المستوى البدنى أو وضع لمسات كوميدية - محببة إليه فى أغلب أفلامه - خففت من حدة التوتر فى قاعات العرض، وانتزعت ضحكات الجمهور، وصعبت مهمة أى سينمائى مصرى يقدم فيلم "أكشن" جيد الصنع.