ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

رفعت الأقلام.. وجفت الصحف

أحمد نور الدين

أحمد نور الدين

السبت 09/فبراير/2019 - 11:35 ص
في الخامس والعشرين من الشهر الماضى نعت دار الإفتاء المصرية برئاسة فضيلة الأستاذ الدكتور شوقى علام مفتى الجمهورية -في لفتة إنسانية كريمة، تعلمنا معنى القيم الأخلاقية المترابطة لنا جميعا- نعت مواطنا مسلما ضحى بحياته منعا للتحرش بسيدة مسيحية، ودفاعا عنها، قد يكون الخبر مر مرور الكرام على الكثير منا، لكنى آثرت الكتابة فيه بعد ستة عشر يوما من وقوعه ونشره، لما فيه من دلالات عميقة متجذرة في تربة تاريخنا الاسلامى والمصرى، متشعبة فيها إنسانية قيمنا الجمعية المعاملاتية، الحياتية، والمجتمعية، والسلوكية لنا نحن شعب مصر مسلمينا ومسيحيينا. 

القصة أن مواطنا مصريا مسلما ضحى بحياته دفاعا عن سيدة مسيحية من أهالى منطقة سكنه، تعرضت للتحرش بمنطقة البساتين،واستغاثت لنجدتها، فاستجاب لاستغاثتها، ولم يمنعه اختلاف الدين من نجدتها، فاستشهد دفاعا عنها، فنعته دار الإفتاء المصرية، مؤكدة في نعيها أن تصرفه يعكس وحدة النسيج الوطنى المصرى، وهذه الواقعة وغيرها من الوقائع تؤكد وحدة التلاحم الوطنى، وتعكس قوة ومتانة الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، وأنه لا فرق مطلقا بين مسلم وأخيه المسيحى.

وهنا أؤكد وأسجل مشددا صدق ما جاءت به دار الإفتاء المصرية قولا وعملا، وهذه ما نراه عبر سنوات عمرنا في مصرنا الحبيبة وأهلها-حفظهم الله تعالى- إنسانيا، وأخلاقيا، ومنذ أن أنعم الله علينا بدخول الإسلام، وقبله وصايا نبينا الحبيب صلى الله عليه وسلم بقبط مصر: "استوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما"، ثم ما تحفظه لنا ذاكرتنا المجتمعية الجمعية، بأنه ليس هناك في الإسلام خصومة أو كراهية أو صدام مع البشر بسبب اختلاف العقيدة كما تدعي تيارات التشدد، وأننا في مجتمعنا نجسد نسيجا واحدا لأمة واحدة قوامها، جميل التعامل بالرحمة والرفق والسماحة المتبادلة، ومراعاة رابطة الأخوة الإنسانية التي أمر الله بها، وترك حساب الخلق في اختلاف عقائدهم على الرب الحكم العدل يوم يقوم الأشهاد. 
  
ثم يأتي الحدث العالمى الأبرز المؤكد أيضا على ما سبق، متمثلا في توقيع فضيلة إمامنا الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر رئيس مجلس حكماء المسلمين، والبابا فرانسيس الثانى بابا الفاتيكان، لوثيقة "الأخوة الإنسانية"، في أعمال المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية الذى نظمه مجلس حكماء المسلمين بأبو ظبي بدولة الإمارات العربية، الذى انطلقت فعالياته من الأحد حتى الثلاثاء الماضى الخامس من فبراير، مستلهمة بنودها، من أول وثيقة تحث على المواطنة الحقة والسماحة واحترام الغير بعقائده المخالفة، التي دشنها رسولنا الأسوة الحسنة صلى الله عليه وسلم، المعروفة بوثيقة المدينة المنورة، انطلاقا من إيمانهم الذى يرى في الآخر أخا له، يؤازره ويحبه، يقدم له يد العون، لا سيما الضعفاء منهم، والأشخاص الأكثر حاجة وعوزا، حتى وان اختلف معه عقائديا.

والحق أقول أن ما فعله المواطن الشهيد المسلم مع اخته المسيحية، لم يكن غريبا على أصالة وشهامة المصريين، و"دمهم الحامى" الذى يغلى غيرة على ذويهم وجاراتهم من أهل سكنهم، بل من وطنهم عامة دون مبالغة، نعم فسدت الأخلاق، واندثرت المبادئ والقيم التي كنا نراها ونلمسها في حياتنا قديما، نتيجة تسارع وتيرة التدخل التكنولوجى ، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعى التي تستغل بسوء، وحملات التغريب المستعرة التي تخاطب الغرائز والعقول ، وحروب الجيل الخامس السالبة لفكر ونظر شبابنا ونشئنا، وتشبههم وأخذهم لكل ما هو قبيح من الغرب، وغيرها من عوامل تغييب الهُوية ومسخها مسخا مشوها، وسلخها من جلدتنا الدينية والعربية والمصرية.

مع كل ما ذكرت من عوامل محبطة غيّرت الكثير من فكر المجتمع وبيئته، إلا إننى أرانى أعود لأؤكد ان مصرنا الحبيبة، بجسدها الواحد المسلم -المسيحى، ستظل بخير وفى رعاية وحفظ الله، تصديقا وتحقيقا لموعوده سبحانه لنا ولها "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، وسيظل الكثيرون لا يعرفون المسلم من المسيحى من واقع أخلاقنا ومبادئنا الإنسانية الراسخة، ومعاملاتنا البينية معا.

يعزز قولى السابق أن الكثيرين من إخوتنا المسيحيين كانوا يتعلمون القرآن في الكتاتيب ويحفظونه حفظا عن ظهر قلب لتعلم اللغة العربية الفصيحة، ومن أشهرهم المفكر السياسى الكبير مكرم عبيد، الذى كان يفخر قائلا: "إننى كما أقرأ الإنجيل أقرأ القرآن وأستشهد بآياته، بل وأتعظ بعظاته لأننى أؤمن بالواحد الديان سبحانه في كمال علمه وصفاته"، ويدعو قائلا: "اللهم يا رب المسلمين والنصارى اجعلنا نحن المسلمين لك وللوطن أنصارا، واجعلنا نحن نصارى لك، وللوطن مسلمين".

كذلك المفكر المسيحى الكبير الدكتور نظمي لوقا جرجس الذي حرص والده على تعليمه اللغة العربية، فأرسله إلى المسجد لحفظ القرآن، فحفظه كاملا وهو في التاسعة من عمره، وعندما كبر ألف مؤلفات إسلامية تدافع عن الإسلام وعن نبيه، وصحابته، فألف عددا من الكتب منها: "محمد الرسول والرسالة"، يدافع فيه عنه ويمتدح سيرته على الرغم من مسيحيته، و"محمد في حياته الخاصة"، و"عمرو بن العاص"، و"أبو بكر حواري محمد"، و"الله.. وجوده ووحدانيته بين الفلسفة والدين، و"أنا والإسلام"، و"وا محمداه"، و"الله..الإنسان والقيمة"، وغيرهم الكثير.

من ذكرياتى العقلية الجمعية الشخصية، التي لن أنساها ما حييت، هذه النماذج والمواقف الفريدة التي لن تراها -قارئى الحبيب- إلا في مصرنا الحبيبة، فأذكر أن أول من عرفته فور دخولى الفصل بالصف الأول الابتدائي، وجلست بجوارهكان الطالب المسيحى أشرف يوسف، وكنا نلعب ونأكل معا في الفسحة، ولم أعرف أنه مسيحى إلا آخر العام عند امتحان التربية الدينية، ومع ذلك لم تنقطع أبدا مودتنا ومرحنا وصلتنا ببعض، في المدرسة أو في الإجازة الصيفية.

وأتذكر جيرانى بسكن طفولتى، المقدس رزق الفسخانى، وربيع العطار،وأديب العلاف، وكيف أن أمى-رحمها الله- كانت لا يحلو لها الشراء إلا منهم،وخاصة ربيع العطار دون عبدالله العطار المسلم الذى كان ملاصقا لمنزلنا تماما، وأتذكر أستاذتي الفاضلة فوزية معلمة العلوم في الصف السادس الابتدائى وولديها التوأم أحب زملائى لى سامح وشارل، وكيف أنها كانت أول من جرت بى الى المستشفى عند أصابتى بفتح في جبهتى بالمدرسة، وقبل مجئأمى -رحمها الله-، ويدها الحنونة الممسكة بيدى في حنان أموى لا يعرف تعصبا أو تمييزا دينيا وعرقيا بيننا.

أتذكر أيضا جارتنا بالشارع الذى أقطن به الفاضلة المسيحية الست أم عريان وأولادها، وكيف أنها كانت تشاركنا الصيام في رمضان وعمل البسكويت والكحك فيه، احتراما وحبا لمشاعرنا الواحدة بيننا، وأتذكر أستاذتي الفاضلة إلزابيث مسئولة الوحدة الصحية في مدرستى بالمرحلة 

الإعدادية ، حين كانت أول من جرت بى أيضا الى المستشفى عند أصابتى بجرح غائر في حاجبى بالمدرسة، ويجول بذاكرتى أيضا المعلم صبحى تاجر الأدوات المنزلية أمام منزلنا ومساعده شاروبيم والذى كنا- ومازلنا- نتبادل المودة الخالصة ، حيث إننى كنت أعمل في الاجازة الصيفية وانا طالب بالاعدادى، بمحل بجواره ومعى أيضا صديقىجرجس ، وكنا نتقاسم وجبة الغداء سويا معا ، فمرة تسبق أيديهم وعليها الصليب يدى الى الطبق ، ومرة تكون يدى السابقة عليهم ، في حب ومودة وإخلاص لم نعهده إلا في مصرنا الأم الحبيبة .

أتذكر جارى المقدس سمير وزوجته الست أم لطفى، وكيف أنهما حين نجح ابنهما الكبير لطفى في الثانوية العامة، استدعانى لأكتب معه رغباته في ورق التنسيق، وأتذكر عند دخولى مجال العمل الصحفى والتحق بنقابة الصحفيين، ذلك الوجه الملائكى للأستاذة الفاضلة سهام عطاالله في مودتها وتعاملها الإنساني الراقى، وتذليلها لكافة العقبات لنا جموع الصحفيين دون تمييز والى الآن.

حكايات وحكايات كثيرة لن تنتهى، أدرك تمام الإدراك أن لكل واحد منا رصيدا ثمينا من تلك العلاقات الموثقة حياتيا ومعيشيا بيننا وبعضنا، وأدرك عين اليقين أنه باختلافنا عقائديا، لن تختلف إنسانيتنا ومصريتنا وبرنا ومعروفنا ببعض، ولن يغب عن قلوبنا وأعيننا نحن المسلمين حقوق إخوتنا المسيحيين علينا، ووصية نبينا الحبيب -صلى الله عليه وآله وسلم- بهم.. رفعت الأقلام وجفت الصحف.