ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

طبق "الفول" الأصلى!

شريف سمير

شريف سمير

الخميس 09/مايو/2019 - 05:50 م
على مائدة رمضان العامرة بالأطباق الشهية يجلس الصائمون ليتناولوا الإفطار مما لذ وطاب .. وتتنوع الأصناف ويقرر كل فرد نوع الوجبة التى يفضلها، ولاتخلو "لمة العيلة" من طبق الفول الشعبى ومذاقه الخاص فى الأفواه وارتباطه بتاريخ وذكريات الشهر المعظم سواء مع مدفع المغرب أو طبلة المسحراتى .. ويظهر "صحن" الفول دائما بين أفراد الأسرة ويلتفون حوله فى لهفة وحب تساويان درجة الإقبال على صدور الدجاج وقطع اللحم اللذيذة .. بما يعنى أنه لاغنى عن هذا الطبق الخاص وسط بقية الأنواع الدسمة!

ومن وحى نفحات رمضان الروحانية ورائحته العطرة، كان للدراما التليفزيونية مائدتها الفريدة فى الشهر الكريم، وبمرور الزمن تعددت وجباتها الفنية واكتظت بعشرات الأعمال الاجتماعية والكوميدية والبوليسية، لتتحول الشاشة الصغيرة إلى حلبة صراع ناعم تخاطب مشاعر وعقل البيت المصرى .. وتحت أقدام هذا الصراع الممتزج بطوفان الإعلانات الجامح، تم سحق أهم وأكثر أطباق الفن جودة وحفاظا على روح رمضان وجوهر مبادئه وتعاليمه .. واختفى النوع الدينى من خريطة المنتجين وصناع الدراما الذين باتوا حريصين على شراء النجوم أولا وأخيرا، ومنصرفين عن إبداع وتسويق المُنتَج الذى يدخل المنازل ويعمل على تشكيل وعى وسلوك الجمهور وبما يحقق فلسفة الفن ورسالته التنويرية .. ولم نشهد نجما واحدا فى السنوات الأخيرة يغرد خارج السرب ويتحمل مسئولية تقديم عمل دينى أو تاريخى يستحضر به دروس الماضى ويجدد من خلاله طرح زوايا سياسية وإنسانية تنطوى على إسقاطات ودلالات مرتبطة بقضايانا وشئوننا المعاصرة.

وفى كل مرة أشاهد فيها عملا رائعا كـ "عمر بن عبد العزيز .. خامس الخلفاء الراشدين" نموذجا للدراما الرائدة فى هذا اللون، أقرأ الفاتحة تقديرا وعرفانا لكل فنان ساهم فى إنتاج مثل هذه التابلوهات الفنية، حيث يستمتع الإنسان بورق مكتوب بحرفية نادرة رسمها قلم الشاعر البديع عبد السلام أمين، وغلفها باللغة العربية الساحرة لفظا ونُطقا، وطعَّمها بمعلومات تاريخية دقيقة ونصوص قرآنية بليغة وأحاديث نبوية صحيحة، كما لو كنا أمام درس مجانى فى الفقه والدين وعظمة الإسلام ورجاله الأوائل .. وتكتمل الصورة ببصمات أحمد توفيق كواحد من أبرز مخرجى الدراما الدينية، ونخبة من عمالقة الأداء التمثيلى على مستوى التشخيص والتميز الصوتى والقدرة المدهشة على إتقان مخارج الألفاظ لتتعلم منهم الأجيال فى كل زمان ومكان، ويتقدمهم فنان صاحب مشروع صنع تاريخه بالثقافة والموهبة وذكاء الاختيار اسمه نور الشريف.. ومن قلب هذه الدراما الناضجة نستبصر بطرق مضيئة نحو إصلاح الحاكم والرعية معا!

أين الطبق الدينى من "سُفرة" الدراما؟! .. إن اختفاءه علامة على غياب القيمة وضعف المضمون، فضلا عن الانسياق وراء "موضة" النوعية المستهلكة من الأفكار والموضوعات، بينما تاريخنا الإسلامى حافل بالأحداث والتفاصيل التى بإمكانها صناعة مئات الأعمال الفنية التى من شأنها أن تضيف الكثير إلى المخزون الدينى والمعرفى .. بل ونستطيع استثمارها لتكون خير سفير لنا أمام العالم لتحسين صورة الإسلام وإبراز عظمائه ردا عمليا وشافيا على أكاذيب الإرهاب ومؤامرات الأعداء!

وهذه دعوة صادقة من واحد تربى ونشأ على "جواهر" قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصرى الذى أصبح منوطا به الآن أن ينتفض ويدرك أهمية استرداد أمجاده وتجديد دمائه ودوره فى بناء المجتمع وحماية الأجيال .. وعليه أن يفتح أبوابه للدراما الدينية والتاريخية ويعمل على احتضانها ضد "زحف" الإنتاج الخاص واحتواء مخاطر هذا التيار على شجرة الفن وأوراقها العفية .. ولا حياة فى رمضان إلا بـ "طبق" الفول الأصلى!