ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

راديو زمان

إسماعيل رجب

إسماعيل رجب

الخميس 11/يوليه/2019 - 11:39 ص
مع دقات الساعة السادسة صباحًا، ينساب صوتًا رقيقًا مبهجًا من راديو داخل المطبخ يشدو بأغنية أم كلثوم النهارية أو كما أحب أن أسميها ، ترنيمة النهار الأبدية، (ياصباح الخير ياللي معانا ) ، فيصحو كل نائم بالبيت ويمارس أنشطته المعتادة ،الحمام ، الصلاة ، ارتداء الملابس مع تناول وجبة إفطار سريعة أثناء اللبس، إعداد الحقائب المدرسية ، البحث عن الأشياء المفقودة بالليل والمؤجلة للصباح ، تقوم أمي بإعداد سندوتشات المدرسة ، كل اثنان في كيس، ثم يدس الكيس داخل كل حقيبة مدرسية . يغني محمد قنديل ( ياحلو صبح يا حلو طل ) وتتدفق البرامج الإذاعية الجميلة وتتسرب في غرف المنزل كأريج الزهور ، (قطرات الندى ) بصوت الشاعر فاروق شوشة الرخيم ،( طريق السلامة ) للمذيعة ذات الصوت الدافئ آيات الحمصاني وغناء القديرة نجاح سلام ( بالسلامة يا حبيبي بالسلامة، بالسلامة تروح وترجع بالسلامة) والتي كانت تمثل بالنسبة لي أبتهالًا دينيًا ودعوة خالصة لله بأن يجنبنا مخاطر الطريق و ينجينا من المهالك .حتى إذا ما شارفت الساعة الثامنة وينطلق صوت فؤاد المهندس بعبارته الجازمة (كلمتين وبس.) ندرك حينها أن الوقت قد داهمنا وأن بوابة المدرسة على وشك الانغلاق. نودعه وننطلق ، ويبقى هو وحده قابع في هدوء ينتظرنا حين العودة.

عند الساعة الثالثة عصرًا ، تكون إذاعة الشرق الأوسط قد بدأت برامجها الخفيفة (تسالي) لأيناس جوهر ورحلة سعيدة مع الفقرات المنوعة وبأسلوب رشيق ممتع ، نتناول الغذاء وصوت الراديو في الخلفية ، حتى إذا أهلتنا الساعة الخامسة يتحول المؤشر بلا تفكير الى إذاعة أم كلثوم ، تبدأ المحطة في بث أغنية أو أكثر لأم كلثوم يعقبها أغنية أو أكثر لمحمد عبد الوهاب ثم فريد الأطرش ثم نجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ وكبار المطربين حتى الساعة التاسعة مساءً لتعود من جديد أم كلثوم تشدو بأغنية أخرى .

وفي السهرة تكون إذاعة القرآن الكريم قد تأهبت لبث مختارات فريدة ونادرة من التلاوات فيما يعرف بقرآن السهرة لعباقرة التلاوة، وفي شهر رمضان يصبح للراديو حضور طاغي، يكاد لا يخلو بيت في مصر لا يسمع فزورة آمال فهمي على الإفطار، أو مسلسل إذاعة الشرق الأوسط. أو ابتهالات نصر الدين طوبار وقرآن الشيخ محمد رفعت وآذان الشيخ مصطفى إسماعيل، ثم يأتي العيد ، ولا يكون عيدًا إلا عند سماع أغنية أم كلثوم ( يا ليلة العيد ) وكأنها نجم شوال المنتظر.

كان هذا في مطلع الثمانينات، وعندما كبرنا صار الراديو رفيقًا لنا في السيارة ،في السفر ، في الرحلات و أثناء المذاكرة ، كان برنامج عمار الشريعي ( غواص في بحر النغم ) بمثابة محاضرة مجانية يقدمها في عالم التحليل الموسيقي، مقدمته الموسيقية بعزف صولو من عود عمار الشريعي كانت وحدها كفيلة أن تنقلني إلى حالة فريدة من المتعة، تتوقف المذاكرة فورًا ، ويبدأ الإنصات، فوجبة دسمة من التحليل الموسيقي والصوتي وأسرارًا جديدة في عالم الغناء على وشك البدء، أذكر أن راديو ترانزستور صغير في حجم كف اليد كان ملازمًا لي أيضًا أثناء تأديتي للخدمة العسكرية ، فكان صديقا مسليًا ومؤنسًا في وقت الخدمات الليلية تحديدًا، أظل أتنقل من برامج إذاعة البرنامج العام لإذاعة الشرق الأوسط لإذاعة الشباب والرياضة لإذاعة القرآن الكريم ،لأسمع ما يروق لي على غير ترتيب وكيفما أتفق. المهم أن الوقت يمر وأنا في قمة وعيي، مستمتعًا، نشيط الذهن، متفتح المسام لتشرب أكبر قدر من المعرفة والتسلية في آن.

الراديو عالم بديع، ليس فقط لتنوع برامجه ولكن لأنه يضيف إلى متعتك متعة أخرى قد لا تتوفر في التلفزيون، متعة الخيال ! ،رسم صورة للمذيع أو المذيعة من خلال الصوت، تصور لشكل الديكورات و ( لوكيشن التصوير ) للمسلسلات الإذاعية، كان برنامج ( وقال الفيلسوف ) والتي كانت تقدمه القديرة سميرة عبد العزيز والإذاعي المخضرم سعد الغزاوي ، عالم من السحر والخيال ، كنت أتصور شكل الفيسلوف هذا بلحية بيضاء كثة، وقامة فارعة وأتصوره يجلس بجوار فتاة صغيرة ،مرحة، شغوفة بالعلم، متحفزة للفهم، تنهل منه بلا حساب، وأن كل ما يتحدث فيه ممتع ومفيد لكنه غير مكتمل ، فشرحه كالعادة يطول، وهو اليوم مشغول ، كما كان يحب أن ينهي حديثه.

كانت أمي تحدثني عن برامج الإذاعة المصرية في الأربعينات والخمسينات، برامج الأطفال لبابا شارو، باكورة برامج الأطفال الإذاعية، و حكايات ألف ليلة وليلة بصوت عبد الرحيم الزرقاني و زوزو نبيل مصحوبة بموسيقى شهر زاد الآسرة لكورساكوف ، برنامج صواريخ والذي كان يقدمه الإذاعي الكبير طاهر أبو زيد، وبرنامج ساعة لقلبك والذي له الفضل في تقديم نجوم الصف الأول في الكوميديا في الخمسينات والستينات، وبرنامج زيارة لمكتبة فلان للإذاعية الراحلة نادية صالح ، وبرنامج (على الناصية) والذي كانت تقدمه الإعلامية المخضرمة الراحلة آمال فهمي. ولفترة طويلة من الزمن.

الراديو رفيق خفيف الظل ورشيق الحركة، لا يطلب منك أن تجلس بجانبه، هو يأتي معك أينما ذهبت. يشجعك على أداء عمل روتيني ممل، يدعمك في لحظات الشعور بالوحدة وخاصة لو مللت القراءة وسئمت مشاهدة النلفزيون.
 
عندما تكون هناك أخبارًا هامة أو أحداثاَ غير معتادة، تتجه الأنظار الى الردايو ، ويتحرك المؤشر يمنة ويسرة للبحث عن المحطات الإخبارية التي تبث الأخبار في وقت حدوثها. قد لا أكون مبالغاُ لو قلت أن عبارة مثل ( سمعتها في الراديو )كانت اكثر مصداقية وأدق أثرًا من عبارة ( شفتها في التلفزيون)، رغم أن من رأى ليس كمن سمع، ولكن مع الراديو فأنت ترى بأذنك دائمًا ما تطمئن أنه الحقيقة.

بدأ الراديو قديمًا بجهاز ضخم قلما تجده متوفر في البيوت، ثم توفر بقلة في بيوت الأثرياء والعمد في القرى ثم اقتحم عالم المقاهي وأنتشر في المنازل، وتطور مع دخول عالم البلاستيك في الصناعة، ثم أصبح في حجم كف اليد وأنتهى به الحال الآن إلى أن أصبح (تطبيق) على جهازك المحمول. وفي أثناء رحلته تلك كان يتطور في مادته المذاعة، ويتطور في أشكال وقوالب برامجه المذاعة وكذلك في لغته. 

عبارة واحدة على رأس الساعة تسمعها من الراديو كفيلة أن تبعث في نفسك الرضى والطمأنينة وتشعرك أنك في آمان ، عندما ينطق المذيع بصوته الرخيم الممتد قائلًا : هنا القاهرة .