ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

أوجلان والشمال السوري وأردوغان

محمد أرسلان

محمد أرسلان

السبت 10/أغسطس/2019 - 10:42 ص
تتفاعل قضية الشمال السوري بشكل كبير في الآونة الأخيرة بين مختلف أطراف الصراع على الجغرافيا السورية بشكل عام، خاصة أن لكل طرف من أطراف الصراع له أجنداته الخاصة العلنية منها والمخفية والتي يعمل عليها بكل إمكانياته، مستغلا الفراغ بين التوازنات والخلافات الإقليمية والدولية وكذلك عامل الوقت.

كثيرة هي السيناريوهات المطبقة حتى الآن في سوريا، وكذلك التوافقات بين الجهات المتصارعة التي تعمل كل منها بمكر لإيقاع الطرف الآخر في فخ التنازلات مقابل بعض النصر الوهمي التكتيكي لبعض حين، وهذا ما كانت عليه تركيا أردوغان حينما تموضع في جبهة هشة وتحالفات مريبة مع الأعداء التاريخيين من قبيل روسيا وإيران.

هذا التحالف الذي فرضته الضرورة المستمدة من عقلية السلطة والهيمنة وإبادة الشعوب ربما ينجح لبعض الوقت، لكن مسيرة التاريخ وجريانه كطوفان لا يمكن لأية قوة أن تقف بالضد منه محاولة استرجاع الماضي على أنه تاريخ لا بد أن يعاش ثانية.

إلا أن القوى الاستبدادية والتسلطية والغاشية دائما ما تعيش الماضي وتترك التاريخ ومسيرته الديالكتيكية وقوانينه الكونية، وكانه ثابت لا يتحرك. الخلط بين الماضي والتاريخ هو السبب الرئيس في ظهور إما الفاشيين الدكتاتوريين الذين يحنون الماضي بعكس القادة الذين يعملون لأجل مستقبل أفضل وهم الذين يعيشون روح التاريخ لرسم ملامح المستقبل المشرق.

روسيا وقيصرها السيد بوتين يعيش أوهام الماضي والرجوع بروسيا لمرحلة الاتحاد السوفيتي والذي كان يمثل يوما ما أحد الأقطاب التي تدير العالم، تركيا وسلطانها السيد أردوغان يعيش أيضا أوهام الماضي والرجوع بتركيا لمرحلة الخلافة العثمانية من جديد والتي كانت تمثل يوما ما القوة المهيمنة على المنطقة لمدة أربعة قرون ونيف تقريبا، وإيران الخميني الصفوية الشيعية الذي يعيش أوهام الماضي والرجوع بإيران لمرحلة الإمبراطورية الفارسية التي كانت القوة التي لا تقهر والتي هزمت الإسكندر الأكبر فيما مضى.

هذه الأطراف الثلاث لم تقرأ التاريخ جيدا وما زالت متمسكة بقشة الماضي علها تنقذهم من الغرق في مستنقع التشتت والتقسيم الذي أصابها وحولها إلى دول لا حول لها ولا قوة، تسعى لفرض هيمنتها على المنطقة وفق منطق القوة وترهيب الشعوب والقضاء على المجتمعات وجعل الإنسان عبدا لأفكارهم التي هم بالذات لا يؤمنون بها، وكذلك تشكيل جيش من العبيد المستعد للتضحية من أجل أوهام لن تعود ثانية إلا في مخيلتهم الفاشية. كذلك أمريكا والتي إن كانت تمتلك مشروعا تسعى لتطبيقه في المنطقة، إلا أنها لا تختلف عن تلك القوى المستبدة بشيء سوى أنها تسعى لتغيير القديم بجديد أسوأ.

هكذا يمكننا توصيف الحالة في منطقتنا بشكل عام وفي الشمال السوري على وجه الخصوص. الكل يتصارع مع الكل من أجل تنفيذ أجنداته الخاصة به ولا أحد من هذه الأطراف يفكر بالمجتمع والشعب وحتى الإنسان. لذا، نرى أن البحث عن حل للقضايا التي أفرزتها الجهات التي تعتمد الحل وفق منطق الذهنية القوموية والدولتية الفاشية المعتمدة بالأساس على إبادة الشعوب كما هذه الأطراف جميعا.

من هنا كان لتصريح السيد أوجلان عبر محاميه لاقى صدىً قويًا على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، حيث قال أوجلان: "بمقدوره حل مشكلة الحرب أو إيقافها خلال أسبوع وكذلك حل القضية الكردية". الثقة الموجودة بين كلمات السيد أوجلان نابعة على ما أعتقد في قراءته للتاريخ بشكل جيد، ويدرك أن التاريخ لم ولن يقف عاجزًا أمام حل المشاكل التي تعتريه، بل يسعى لحلها وفق صيرورة التاريخ وكينونته الفلسفية، البعيدة عن الدوغمائية بشقيها الميتافيزيقي أو العلموي الوضعي.

وأكد أوجلان أن الحل لا يكمن في عقلية العثمانية الجديدة ولا في ذهنية القوموية الماضوية، بل إن الحل يكمن في أن يغير هذين الطرفين ذهنيتهما بشكل ديمقراطي. وهنأ تكمن مشكلة أوجلان الرئيسية، حيث إن معظم الأطراف المتنازعة على الساحة السورية والمتواجدون في تركيا يفتقدون العقلية الديمقراطية، بل والأنكى من ذلك أنهم متشربون بالذهنية الإقصائية والسلطوية والتي ستجعل من مهمة أوجلان شبه مستحيلة. طبعًا، إن هذه الأطراف سمحت له بالقيام بواجبه الأخلاقي والتاريخي لحل القضايا الشائكة والتي يصرون على حلها بالعنف والاحتلال وإبادة الشعوب والتي ستطيل من عمر الأزمة ثانية.

وربما تكون تصريحات أوجلان حبل النجاة الأخير للسيد أردوغان في سقوطه إن هو استغل هذا النداء، ولكن حركة التاريخ تقولها بصريح العبارة أن الدكتاتوريين لا يقرأون روح التاريخ وأن مسلسل عبرة نهايتهم ستستمر ليكونوا درسًا للاحقيهم.

ويبقى حل معظم المشاكل التي تعانيها المنطقة عن طريق السلام وقراءة التاريخ بشكل جيد واستيعابه لرسم ملامح المستقبل على أساس بناء الإنسان الحر والمجتمع السياسي الأخلاقي الحر، ولن يتم ذلك إلا بالعيش المشترك وأخوة الشعوب واحترام ثقافتها، كما يقول أوجلان.