Advertisements
Advertisements

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
Advertisements
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

اللي اختشوا ماتوا!

د.طارق منصور

د.طارق منصور

الثلاثاء 08/أكتوبر/2019 - 06:00 م
لم أتوقع يومًا أن أعيش غريبة في بلدي!
بهذه العبارة بدأت إحدى الزميلات حديثها معي حين التقت بي ذات يوم بين أروقة الجامعة، وتجاذبنا أطراف الحديث في موضوعات متباينة...وفجأة توقفت عن الحديث برهة، ثم قالت: "الواحدة حاسة إنها غريبة في البلد دي".

نظرت إليها قاطبًا حاجبيَّ، والكلمات تتعثر على لساني، تأبى الخروج خشية أن أزيدها ألمًا، فآثرت السكون حتى أدعها تسترسل في الحديث أو تتوقف عنه. لكني رمقت نظرتها الساهمة وكأنها تستدعي الذاكرة، فقد شخص بصرها للحظات، وبرقت مقلتاها إثر لمعة غشيتهما. ثم رفعت رأسها نحوي قائلة: "تخيل دفعت عشرة آلاف جنيه في الصيف لإقامة أربعة أيام في قرية"..."السياحية لأقضي أجازة على طريقة أولاد الناس".

وهنا قاطعتها مبتسمًا، قائلًا لها: طيب ما أنت منهم!
فاسترسلت قائلة: مش دي القضية، القضية إني قررت أن أستمتع بالحياة وبالطبيعة الأخاذة وأشعر ولو لأيام أنني أعيش براحتي، أفعل ما أشاء، دون أن أضُر أحدًا أو يمسني منه ضُر.

وأكملت قولها: أنت عارف أنني لم أكن في شبابي محجبة، رغم أن والدي كان رجلًا محافظًا، وأمي كانت سيدة ملتزمة، ممن عملن في التربية والتعليم؛ إلا أنه لم يجبرها يومًا على ارتداء ثياب بعينها، ومع هذا كان الاحترام يرافقها أينما تكون.
 
لم أشعر يومًا وأنا طفلة أتعلق بثوبها أن هناك من عاكسها أو تحرش بها أو سار خلفها كما نقرأ الآن. ربما مجتمع زمان كان يحوي قيمًا تاهت وضلت طريقها بين أناس هجرت نفوسهم التقوى والخوف من الله. ولعل هذا ما دفعني لارتداء الحجاب، أسوة بنساء اليوم، لأخفي ما قد يثير شهوة الذئاب.

المهم، قررت أن أستجم كما قلت لك في قرية راقية من قرى البحر الأحمر. وكعادة أمي-التي زرعتها فينا-استيقظت مبكرًا لأذهب للسباحة والاستمتاع بالماء البارد قبل أن تعلن الشمس عن كامل طاقتها. واقتربت شيئًا فشيئًا من المسبح الرئيسي وأنا أمني نفسي بمتعة الانفراد به، فلمست المياه بيدي اليمنى وأطلقتها في الهواء لتتساقط قطرات الماء على وجهي، الذي لم يحتمل متعة برودته. فقررت القفز فورًا في المسبح، وأخذ جسدي يغوص تدريجيًا حتى سمعت صافرة تطلق أصواتًا متلاحقة لم أعبء بها وأكملت مهمتي...وأخيرًا أصبح جسدي كله ينعم بالماء البارد.

وهنا جاءني شاب ثلاثيني مهرولًا قائلًا: يا مدام ممنوع؟ نظرت إليه مستغربة، قائلة: ممنوع إيه؟
قال: ممنوع نزول المحجبات المسبح، لازم تلبسي مايوه أو تخرجي لو سمحتِ.
توقفت لبرهة غير مستوعبة لما قيل، وقلت له: بتقول ايه؟ مش من حقك تكلمني كده، دي حرية شخصية.
قال: يا فندم دي تعليمات إدارة القرية، ممنوع نزول المحجبات في المسبح، ممكن حضرتك تنزلي البحر.

لم أتمالك نفسي وقلت له: هل هذه تعليمات وزارة السياحة؟ وهل أنا دافعة آلاف الجنيهات عشان إدارة القرية تمنعني من نزول المسبح، لا لشيء إلا لكوني محجبة؟

أرفض بشدة كل ما من شأنه أن ينتقص من قدري أو ينال من حريتي وقناعاتي الشخصية المشروعة؛ ألبس حجاب، ألبس مَلاَس ده شيء يخصني، فأنا لست أقل من غيري ممن يتمتعن بحياتهن في ظل قانون يساوي بين ابنة الغفير وابنة الوزير...آسفة لن أنفذ تعليمات إدارة القرية، ولن أخرج من المسبح، وليكن ما يكون. (بالمناسبة كنت ألبس مايوهًا شرعيًا).

ابتسمت لها قائلًا: أُحييك، ولتذهب إدارة القرية إلى الجحيم، فخصوصية المرء يكفلها الدستور ويحميها القانون؛ وعلى رأي المثل: اللي اختشوا ماتوا!
Advertisements
Advertisements