ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

محمد حفظي ودورة مشرفة لمهرجان القاهرة السينمائي

رشا شكر

رشا شكر

الأربعاء 27/نوفمبر/2019 - 06:23 م
أتت دورة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ال٤١ هذا العام بكثير من الأمل والتفاؤل حيث تنهي هذه الدورة عقدًا من دورات مهرجان السينما التي شهد فيها إلغاء دورتين بسبب أحداث ٢٠١١ التي شهدتها مصر وما ترتب عليها. فمهرجان القاهرة السينمائي هو جزء من نبض مدينتا العريقة. وإن اضطرب هذا النبض بعض الوقت انعكس على كل شئ بما في ذلك كل أشكال المحافل الثقافية في قاهرتنا الجميلة.

يرتبط معظم تاريخ المهرجانات في العالم بالمدن الأوروبية ولأن النموذج السينمائي المصري هو الأقرب إلى الأوروبي وذلك لأنه ارتبط منذ بداياته بنموذج نشأة السينما في أوروبا ومدنها فجاء أيضًا مهرجان القاهرة السينمائي محاكيًا ومرتبطًا بأهم المهرجانات السينمائية والتي ارتبط اسمها بأشهر المدن الأوروبية، فجاء مهرجان القاهرة الذي ارتبط بالعاصمة كمركز الثقافة. وأود أن أشير هنا إلى أهم ثلاث مهرجانات سينمائية دولية تُقام في أوروبا هي مهرجانات فنيسيا وكان وبرلين ولكل منهم شخصية خاصة ومميزة جدًا تدفع بالمجتمعات السينمائية لحضورهم كل عام.

وأبدأ من إيطاليا. فمن أقدم وأهم المهرجانات في العالم وأوروبا مهرجان مدينة فينسيا الشهيرة بإيطاليا التي طالما كانت مصدر إلهام للشعراء والكتَاب والتي ارتبط اسمها بأشهر الأعمال الأدبية أيضًا من داخل وخارج إيطاليا فهي رمزًا تاريخيًا للفنون بجميع أشكالها. مهرجان فينسيا السينمائي الدولي هو أقدم مهرجان في العالم وعمره ٨٧ عامًا وجاءت فكرته وبداياته مع اهتمام المواطنين والحكومة الإيطالية بالسينما وخاصة الأمريكية بداية القرن الماضي وأنشائه مجلس المدينة المحلي في البداية ضمن الفعاليات الثقافية والفنية للمدينة. يعقد مهرجان فينسيا الدولي صيفًا وهو مفتوح للجمهور بكل فعالياته ويأتي متوافقًا مع تاريخه وارتباطه بالحياة العامة في مدينته منذ نشأته في فينسيا. أصبحت أفلام حفل افتتاح المهرجان تعرض أشهر وأنجح الأفلام الأمريكية مثل فيلم لا لا لاند الحائز على جوائز الأوسكار وفيلم جرافتي الأمريكي أيضًا وهي يوحي بتقرب فكرة السينما للجمهور العام وعدم خصوصيتها لجمهور معين.

أما مهرجان مدينة كان الفرنسية المطلة على الجنوب الفرنسي فله أيضًا شخصية خاصة مختلفة عن فنيسيا وهو يبلغ من العمر الآن ٧٣ عامًا وجاء في البداية كمقترح لمنافسة مهرجان فنيسيا. ولمهرجان كان السينمائي الدولي شخصية مختلفة وذلك لأنه مغلق على المجتمع السينمائي والمشهد السينمائي. يعتبر نفسه نادي سينمائي لأصحاب العضوية السينمائية. ومن سمات شخصية المهرجان إنه يريد دائما أن يكون له السبق بتبني الأفكار التحررية التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية فهو رسالة فرنسا الثفافية للعالم والتي تستقطب بها العاملين في الحقل السينمائي من جميع أنجاء العالم ويتبني المهرجان العديد من الأفكار والمبادرات التي لها علاقة بالرقابة على الأفلام والمساواة بين الجنسين وغيرها بالإضافة إلى محاولات ربط المهرجان ببعض مشاهد الموضة التحررية مثل خلع النجمات لأحذيتهم ذات الكعب الذي جاء تعاطفًا مع سيدة تم منعها من السجادة الحمراء بسبب عدم ارتدائها كعبًا. مهرجان كان الفرنسي هو ملعب للمجتمعات السينمائية يرتبط بالجمهور من خلال صور السجادة الحمراء أو من خلال وجود السائحين في مدينة كان للفرجة على احتفاليات المهرجان ونجومه وليس لحضور الجمهور العام.

أما مهرجان برلين السينمائي الدولي فيعد من أكبر مهرجانات العالم جذبًا لعدد الحضور في العالم سواء للسينمائيين أو وسائل الإعلام أوالصحفيين ومع كل هذا الآلآف من جمهور السينما من جميع أنحاء العالم. ولا يأتي عدد الحاضرين مبهرًا فقط في مهرجان برلين ولكن تأتي أعداد الأفلام المعروضة أيضًا مبهرًا والذي قد يصل إلى ٤٠٠ فيلم في المهرجان كما أن الفيلم يتزامن وسوق الفيلم الأوروبي وهو أحد أهم الملتقيات الكبرى في صناعة السينما وهو أيضا سوق سينمائي عالمي يتجذب ما لا يقل عن ١٠ آلاف شخص. تظهر الكفاءة الألمانية بوضوح في مهرجان برلين السينمائي.

وخارج القارة الأوروبية نجد مهرجان مهرجان تورونتو السينمائي الدولي وهو أيضًا من أشهر المهرجانات السينمائية الدولية وما يميزه هو أن جوائره تعتمد على اختيارات الجمهور في المقام الأول.

وقبل الانتقال للحديث عن مهرجان القاهرة الدولي السينمائي أود أن ألفت النظر إن بالرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية هي بلد السينما الأول في العالم في الانتاج السينمائي وبلد الإيرادات الأول وكل نجومها وصناع أفلامها ضيوف مهرجانات العالم فهي لم تهتم بعمل نموذج لمهرجان سينمائي كبير ربما لأن السينما الأمريكية مهرجان سينمائي طوال العام يفرض أفكاره من خلال الأفلام وكل ما يكتب عن أفلام هوليودد ولأن لها نموذج منفرد عن النموذج الأوروبي. ولكن لاننسى أن الولايات المتحدة الأمريكية حريصة كل الحرص على جوائز الأكاديمية للأفلام أو ما تسمى جوائر الأوسكار وهو حدث عالمي يتنظره الملايين حول العالم لمتابعته. جوائز الأوسكار أيضا تعكس ثقافة الولايات المتحدة الأمريكية في ضراورة المنافسة الشديدة وفي وضع كل صناع السينما في وضع استعداد على المنافسة والإبهار طوال الوقت ولا شئ غير الإبهار وإبهار العالم والذي يأتي في أشكال لا تحصى ولا تعد. أفكار ونجوم وتكنولوجيا وايرادات وتاريخ كبير لكبار السينمائيين وولاء من جماهير السينما في جميع أنحاء العالم وإلا ما كانت هي السينما الأمريكية ولكن في النهاية جوائر الأوسكار ليس لها منافس ومهرجانات الأفلام في أمريكا هي الأضعف في العالم والأقل تأثيرًا. أما عن جوائز الأوسكار فهي تكمل مشهد الإنتاج السينمائي الأمريكي، وبعض الأحيان تُتهم الأكاديمية من وقت لآخر بتسيس الجوائر ولكنه كوضع كل شئ في الولايات المتحدة.

أما مهرجان القاهرة السينمائي جوهرة المهرجانات السينمائية العربية والإفريقية، فهو يحمل اسم واحدة من أعرق وأقدم مدن العالم على الإطلاق وهو أول مهرجان عربي دولي في المنطقة وتأسس في عام ١٩٧٦ وكان تأسيسه على يد الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما وهي نفس الجمعية التي أسست مهرجان الأسكندرية لاحقًا. أسس هذه الجمعية شخصية مصرية مميزة جدًا هو الأديب والصحفي وعالم الآثار كمال الملاخ وهو من مواليد مدينة أسيوط. وهو دارس لهندسة العمارة والآثار المصرية وبالإضافة إلى عمله كصحفي وكاتب.

جاءت فكرة تأسيس المهرجان بعد ثلاث سنوات من حرب السادس من أكتوبر مؤكدة على أن انتصارات المصريين تشمل أيضًا الانحياز والانتصار للفن ولمدينة القاهرة العريقة التي طالما كانت عاصمة السينما العربية ونجومها في الوطن العربي ومصدر للتنوير الثقافي بكتابها وصناع الفنون بكل أشكاله.

خرج مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام في دورته ال ٤١ مشرفًا تحت رعاية وزارة الثقافة وهو يطوي عقدًا من عدم الاستقرار في تاريخ المهرجان بعد أن شهد إلغاء دورتين له عامي ٢٠١١ و٢٠١٣ بسبب أحداث عام ٢٠١١. ثم بدأ المهرجان يلتقط أنفاسه رويدًا رويدًا فاللمهرجان مكانه عالمية مرموقة لتاريخه الطويل ولتاريخ مصر السينمائي منذ عام ١٨٩٦ فتاريخ مصر السينمائي يمتد لفوق ال١٢٠ عامًا لطالما لُقبت مصر بهوليودد الشرق. ومهرجان القاهرة السينمائي مشهد مكمل للمشهد السينمائي الكبير الذي حظيت به مصر.

عاد مهرجان القاهرة السينمائي في عام ٢٠١٤ برئاسة الناقد الكبير سمير فريد ثم تولت السيدة ماجدة واصف رئاسته مع الأستاذ الكبير الراحل يوسف شريف رزق الله لمدة ثلاث دورات متتالية وهم السنوات الأصعب في تاريخ المهرجان في ظل الظروف العامة. كانت المهمة استمرار المهرجان دوليًا وعدم سقوطه وتمت المهمة بنجاح واستكمل المهرجان مهمته ومسيرته.

ثم تولى رئاسته المهرجان العام الماضي في دورته الأربعين الكاتب والمنتج محمد حفظي ومعه الأستاذ يوسف شريف رزق الله مديرًا فنيًا والذي رحل عن عالمنا هذا العالم. للسيناريست محمد حفظي تاريخ في كتابة أفلام مميزة في العقد الماضي مثل السلم والثعبان وملاكي اسكندرية وفتح عينك وتيتو وهي أفلام لها بصمة كبيرة في تاريخ السينما المصرية نظرًا لموضوعاتها وطريقة تناولها وهي أفلام مختلفة تمامًا عن ما سبقتها في في عقد الانتاج السينمائي ما بين ١٩٩٠-١٩٩٩. جاءت الأفكار جديدة وحديثه ومتجددة وتتمتع بأناقة على الشاشة وجاءت مواكبة لجيل بدأ سقف تطلعاته يقفز مع الانفتاح على العالم من خلال كل الوسائل.

وحديثي هنا عن كتابات محمد حفظي يرتبط ارتباطًا وثيقًا باختياره وإدارته لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي. وأعود لما بدأت به مقالتي فلكل مهرجان قصة وفكرة. والمهرجانات السينمائية ما هي إلا حلبة كبيرة للأفكار وسردها ورواياتها من خلال صناعها ومشاهدتها من خلال أعين محبيها من جمهور السينما.

كانت إدارة مهرجان القاهرة السينمائي دائمًا لفئة ال story teller أو سارد القصة وسارد القصة وقد يأتي كاتبًا أو ناقدًا أوسيناريست أوأديبًا أوصحفيًا حتي مؤسس المهرجان كان من فئة سارد القصة أو story teller ثم جاء محمد حفظي وهو من مدرسة مجددة للكتابة في السينما وفي المعالجة السينمائية للكتابة ومن مدرسة حداثة طرق كتابة السيناريو للأفلام المصرية بشكل عام.

المدن تعبر عن شخصيتها وتسردها من خلال محافلها ومهرجاناتها الثقافية والفنية والسينمائية. فنيسيا تتحدث عن إيطاليا بلد الفن والفنون وفنيسيا المُحبة العاشقة للفنون كتاريخها ومدينة كان تتحدث عن خصوصية استايل وعن احتضانها للأفكار الفرنسية وبرلين تتحدث عن مدينة تاريخية فنية من طراز فريد تحمل معها الكفاءة الألمانية. وتبزغ القاهرة مضيئة مشرقة مرة أخري هذا العام بمظهر متجدد وحديث مؤكدة على مكانتها السينمائية. وبالرغم من انشغال الكل بما يحدث في حفلتي الافتتاح والختام ومظاهرهما فالمهرجان هو ما يحدث ما بينهما.

دخل مهرجان القاهرة هذا العام مرحلة تأهيل وتحديث كبيرة تُحسب لوزارة الثقافة وللقائمين على إدارة مهرجان القاهرة برئاسة محمد حفظي بالتأكيد. فبعد مرحلة الخروج من مرحلة الإنقاذ من التهاوي على المهرجان اتخاذ مكانته مرة أخري ووضغه على المسار الصحيح والتأكيد على وضع شخصية حديثة تتواكب مع متطلبات العصر محليًا ودوليًا مع الحفاظ على ميراث كبير له وهذا هو أول مكاسب دورة المهرجان ال٤١.

يمثل مهرجان القاهرة السينمائي لأجيال كثيرة ذكريات جميلة ومراحل عمرية شكلت الوعي الثقافي لا تُنسى وأنا منهم. ولكن مع انشغال الكثيريين أو ارتباطهم بأعمال أخرى وٌضع المهرجان في خانة الذكريات ومع تغيير شكل الأجيال وتوجهاتهم كان على المهرجان تغيير حساباته وهو أمر بات واضحًا وأمر إيجابيًا. فجاء تغير شكل المهرجان يدعو للتفاؤل والأمل نشعر أن مهرجان بدأ يأخذ صبغة حديثة جديدة بشكل عام. وأعتقد أن الفكرة هنا هو استقطاب عقول مهتمة بالسينما فالسينما ليست بوظيفة ولكن يجب أن يصاحبها شغف بالسينما. يوفر مهرجان القاهرة السينمائي فرصة سنوية لإطلاق هذا الشغف من خلال عرض مجموعة أفلام منتقاه من جميع أنحاء العالم وعقد حلقات نقاش خاصة بصناعة السينما. ومن أهم أشكال التجديد ا فكرة أيام القاهرة لصناعة السينما Cairo Industry Days وهي حلقات نقاش بدأت في العام الماضي مع رئاسة محمد حفظي للمهرجان وجاءت هذا العام في شكل حديث يستقطب صناع الأفلام من جنسيات مختلفة وأجمل ما فيها الحوار مع ساردي القصص السينمائية أو من يرون القصص السينمائية. والقاهرة لطالما كانت ملهمة للأفكار ومصدرها ومناقشة هذه الأفكار في إطار علمي يرتبط بشكل الصناعة يعزز من قيادة السوق السينمائي بشكل أفضل بالتأكيد. وأيام القاهرة نواة عظيمة لاستقطاب عقول جديدة وجعل القاهرة مركزًا لإدارة وتحريك الفكر السينمائي في المنطقة.

استضافة السينما المكسيكية لفته رائعة لتذكير محبي السينما بسينما جاءت سنوات انتاجها الذهبية ملازمة للسنوات الذهبية للسينما المصرية وهو بالتأكيد اختيار موفق.

لا يفوتني أن أقول أن شكل الرعاة للمهرجان جاء داعمًا وموفقًا وأتمني أن الشكل الحديث للمهرجان يكون سببًا في استقطاب مزيد من الدعم المجتمعي للمهرجان كل عام.

جاءت اختيارات لجنة تحكيم المسابقة الدولية التي يترأسها الكاتب والمخرج الأمريكي ستيفان جاجان والحاصل على جائزة الأوسكار متنوعة وموفقة وكل عضو يحمل ثقلًا ثقافيا وفنيًا يليق بمهرجان القاهرة ومشرفًا لحدث فني هام يحمل اسم القاهرة. والحقيقة إنه بالنظر إلى اختيارات محكمي لجان مسابقات المهرجان نجد إنها متزنه بشكل عام ولا تنطوي على استثئار تيارات فكرية معينة وهي ما يزيد من ثراء تجربة دورة المهرجانال ٤١.

وبالنظر إلى عدد من الأفلام المعروضة في المهرجان فهو أكثر من رائع وهو ١٦٣ فيلم من ٥٣ دولة منهم ٣٥ فيلم عرض أول في مهرجان وجبة ثقافية سينمائية لمحبي السينما. جاء انضمام خدمة تذكرتي لتذاكر المهرجان مشجعًا لأنها خدمة منظمة وقد تم تجربتها بنجاح في كأس الأمم الأفريقية.

دورة المهرجان ال٤١ مهداة إلى ليوسف شريف رزق الله تقديرًا لمسيرته السينمائية وهي لفتة رائعة من وزارة الثقافة وإدارة المهرجان. رسائل الوفاء والتقدير تلمس قلوب محبي السينما دون حواجز وتلمس جذور الثقافة المصرية التي ترتبط بالماضي والحاضر والمستقبل. ومشاهدي حفل افتتاح المهرجان قدروا لفتة ذكر رئيس المهرجان محمد حفظي في الحفل لاسم يوسف شريف رزق الله تقديرًا كبيرًا وتخصيص أحد ليال المهرجان لعرض فيلم عنه.

كما جاء مهرجان القاهرة السينمائي داعمًا للأفلام المصرية من خلال قسم بانوراما السينما المصرية وهو يعطي فرصة ونافذة لضيوف المهرجان لمشاهدة مجموعة منتقاه للأفلام المصرية الحديثة.

أحيي المجهود المبذول لاحياء هذا المهرجان العملاق بتاريخه وأدواته التي تحاكي مهرجانات مدن عالمية برئاسة الكاتب والمنتج محمد حفظي الذي أضفى على المهرجان روح راقية وشابه تليق بصناعة السينما المصرية تروي وتسرد أحد ملامح مدينة القاهرة الفنية بتحفظ لكن بحماس شديد وطموح كبير.
Advertisements
AdvertisementS