AdvertisementS
AdvertisementS

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

إبراهيم عطيان يكتب: الوداع الأخير

الجمعة 22/مايو/2020 - 02:11 م
صدى البلد
Advertisements
 

في ليلة صيفية كانت كان نادر جالسًا بين أفراد الأسرة يشاهد التلفاز، وينفجر ضاحكًا كلما علقت الأم على مشهد بالمسلسل متقمصة دور المرشد والجميع من حولها بحاجة إلى المساعدة وترجمة الأحداث،  ولا تنفك السيدة البسيطة تتوقف عن الشرح والتحليل حتى ترى نادر هادئًا وفمه لا يتحرك، فتباغته بقطعة حلوى أو ثمرة فاكهة طازجة كأنها تطعم طفلًا صغيرًا، وتتعالى الضحكات عندما يطالب الأب زوجته بالهدوء والتركيز في إطعام صغيرها العائد من سفره بدلًا من الشرح وتحليل المشاهد،
كانت الجلسة مليئة بالمرح والفكاهة حتى دق هاتف المنزل والتقط نادر السماعة من فوق طاولة صغيرة بجانبه، ثم تبدل الحال به فجأة وقال: سنين ايه وشهور ايه اللي بتتكلمي عنها؟!..
هو مين دا بأه اللي بتسألي عنه؟..
ثم صمت قليلًا وقال: لا مش هنا ... النمرة غلط ...
ثم وضع نادر السماعة والتقط هاتفه من أعلى الطاولة وقال:
عايزين حاجة من بره؟ 
قال الأب: في ايه يا بني؟
تبسم نادر وقال: دي واحدة بتسأل عن واحد كانت تعرفه من سبع سنين، شكلها مجنونة !..
قالت الأم: مجنونة ليه يا بني؟! 
يعني سبع سنين يخلوها تنساه؟!..
وكانت الأخت حاضرة فألقت بدلوها وقالت: 
نادر بيتكلم صح طبعًا، دي شكلها بنت مجنونة ولا بتحلم .
قال الأب: جرى ايه انتي وهي! 
انتو هتقعدوا تتكلموا كتير كده في الموضوع ده؟
روح يا نادر شوف أصحابك يا بني ..
نادر: ماشي يا حاج 
وانتي يا ماما ركزي في المسلسل عشان تشرحي للغلابة اللي قاعدين مش فاهمين حاجة دول ..
ثم خرج نادر لكن الأخت الحنونة لم تتركة وحيدًا ودق هاتفه قبل أن يخرج من الشارع فقال نادر وهو يضحك:
شكلك كده عايزة حاجة أجيبهالك وانا راجع.
فقالت: أنا عايزاك انت متزعلش ولا تفكر فيها خالص وسيبها كده تاكل في نفسها .
قال نادر: هي مين دي اللي تزعلني؟! 
انتي متعرفيش أخوكي ولا ايه؟!
سيبك من الكلام ده ومتناميش عشان هجيب معايا سندوتشات،
وركزي مع ماما كويس في المسلسل ...  سلام ...
خطواته الواثقة كانت دليلًا على أن ما قضاه معها لم يكن سوى فصل في مسرحية هزلية لا يجب التوقف عنده أو حتى التفكير فيه، فاستمر نادر في السير ليلًا حتى جلس على صخرة أمام البحر في ضوء القمر ينفث غضبه في دخان سيجارته وهو يقلب في الماضي، عندما دفعها بشدة وهي تحاول اللحاق به في طريق يبدو صعبًا وغير ممهد وكان الجو قائظًا، 
فطلبت بإلحاح أن تشاركه السير لكنه رفض ودفعها للمرة الثانية وهرول بعيدًا دون أن ينظر خلفه فتبعته جريًا حتى لحقت به، وتوسلت إليه ألاَّ يدفعها للمرة الثالثة، فخُدع بمظهرها الطيب وحلو حديثها، وتوسم بها خيرًا فضمها بشدة وأخرج قربة ماء من حقيبة صغيرة مربوطة حول خصره فسقاها حتى ارتوت،
ثم حملها فوق ظهره وهو يتصبب عرقًا؛ حتى لا يصيب الحر قدماها، وظل يمشي بها بعيدًا حتى حلَّ المساء وأخذت الشمس طريقها للانسحاب وانتشرت نسائم هادئة عندما بدأ الظلام يتسلل رويدًا رويدًا، فظن أن الصعب قد غادر وتلك هي البداية لنهاية عهده مع الشقاء، وظل يواصل معها المسير حيث النور، وعند أول بئر نزل فملأ قربته، وخرج مسرعًا ليقدم لها الماء، فوجدها تركته وحيدًا في الطريق، وامتطت ظهر فرس أبيض خلف أول شاب يمر بالجوار،
وأشارت إليه وداعًا قبل دقائق من انتهاء الرحلة وظهور النور، 
ثم عادت لتوها تجر في يدها طفلين بعد مرور سنوات تطلب العفو، وتركت فارسها النبيل صاحب الحصان الأبيض نائم في قصره الكبير آمنًا، لا يعلم شيئًا عن نصيبه الأكبر من الغدر ....
Advertisements
AdvertisementS