الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

د. أحمد محمد بيبرس يكتب: الإعلام في الشهر الكريم

صدى البلد

 


تزامنًا مع  دخول شهر رمضان  المعظم - مركز التدريب الذي يتخرَّج منه الأتقياء الأَبْرار برصيد يكفيهم طوال العام -؛  تتسابق الفضائيات، ووسائل الإعلام  بتقديم رصيد هائل، وغير معقول من العمل الإعلامي كـ [البرامج، والمسلسلات، والأفلام ] ، تلك الأعمال التي أُنتجت خصيصًا لشهر رمضان.. في  حالة محمومة تُشعل حرارة السباق بين الإعلاميين بشتى أجناسهم، وتخصصاتهم ، تهدف لحصر الناس لمتابعة تلك الأعمال؛ التي قد تتنافى مع طبيعة الشهر الكريم من التبتل والانقطاع.
ولقد قعَّد الفقهاء الأكارم قاعدةً نصها: " المشغول لا يُشْغَل"، وهذه قاعدة سليمة المبنى معقولة المعنى، من حيث إنّ ما كان مشغولًا بشيء لا يمكن شغله بشيء آخر، وذلك كالإناء المشغول بالماء مثلًا، لا يتصوّر شغله بشيء آخر إلا إذا خلا ممّا فيه، ولو طبقنا هذه القاعدة على تلك الظاهرة السنوية، الثقافية، والاجتماعية، لوجدنا أنها غابت عن رؤية كثير من الإعلاميين، من حيث خالفوا مقاصد هذا الشهر الكريم.
ويمكن أن نحصر التوجهات إلى هذا المنتج الضخم في اتجاهين، ثم نحكم فيها قضية العقل حتى نصل لفعل راشد يُبتغى به رضا الله سبحانه، وشهود مواسم الطاعات، والاستفادة منها حق الاستفادة.
الاتجاه الأول:  يتبنى مقاطعة كل هذه المواد الإعلامية مقاطعة تامة من حيث كونها عقيمة وتقليدية، ومكررة، فضلًا عن أنها مشغلة عن مقاصد الشهر الكريم، وأنها من قبيل اللهو المشغل عن ذكر الله، وعن الصلاة، مفسد للصوم لاشتماله على ما يهيج الغرائز، ويثير الشهوات.
واستدلوا:  بأن الله – سبحانه- قابل جهل العبد بالبيان والهدى، وقابل تقصيره وتفريطه بالتوبة، وضعفه وقلة صبره بالتخفيف فقال سبحانه: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)} [النساء: 26 - 28].
وهذه الآيات فاصلة فيما يريده الله في الشهر الكريم، وما يريده غيره.
وإذا حكَّمنا قضية العقل في هذا الاتجاه وجدنا أنه تعميم يودي بصاحبه إلى الخطأ ومنافاة الواقع، فقد أصبحنا بحالة لا يمكن أن نستغني فيها عن مواد الإعلام الهادفة البناءة المناسبة لواقع الشهر الكريم.
الرأي الثاني: أنها مواد تغلغلت في ثنايا المجتمعات بحيث لا يمكن الاستغناء عنها، خصوصًا إذا قلدت في رقاب العادة، والمتعة في مشاهدتها، وأنها تخفف ثقل الأوقات في هذا الشهر.
وإذا حكَّمنا قضية العقل في هذه النظرة وجدنا أنها تناست الأصل من كون رمضان شهر شغل المسلم بطاعة ربه، فلا يصح شغله بغير ذكر الله، وتعلقت هذه النظرة بتتمات ومكملات عادت على أصل عبادة الصوم بالإبطال، وقد قعّد الأصوليون: " أن كل تكملة  لا تعتبر إن  عادت على الأصل بالإبطال"، وذلك أن كل تكملة يؤدي  اعتبارها إلى رفض أصلها؛ فلا يصح اعتبارها، وما تذرُّع به المنادون بتغلغل هذه المواد  من ثبات هذه الأعمال وتأثيرها، وأنها أصبحت أعمالًا  مطردة،  نقول: إنها ليست من مِلَح الشهر؛ لأن الملح  شرطها  أن تناسب مراد الشارع، وأن  تستحسنها العقول ، وتستملحها النفوس؛ إذ ليس يصحبها منفر، ولا هي مما تعادي التعبد في الشهر الكريم.
وإن مال قوم فاستحسنوا ذلك وطلبوه؛ فلِشُبَهٍ عارضة، فلكونه عَدُّو هذه الأعمال  مبنية على أصل العادة، وهو وهم وتخييل لا حقيقة له، مع ما ينضاف إلى ذلك من الأغراض والأهواء؛ والتبجح بأن وراء هذه الأعمال الإعلامية مقاصد لا يدركها إلا الخواص، وأنهم أهل الاختصاص ... وأشباه ذلك مما لا يُحَصّل منه مطلوب.
ونحن نقول: إن كلا الاتجاهين منقوض، وأن الوسط محمود، فأهل الوسط هم أهل الله يرجع إليهم الغالي، ويلحق بهم التالي، ولذا يمكن أن نقسم هذه المواد لقسمين:
القسم الأول: مناسبة لهذا الشهر لا تعود عليه بالإبطال كالمواد الدينية، والإخبارية، والثقافية، وغيرها خصوصًا لو وجدت الحاجة لذلك،  وغير عقيمة فهذه يمكن أن نسير معها بمنهج الانتقاء لما ينفع العمل، ويزان به الأجر؛ وذلك لكثرة المواد المعروضة، وضيق الوقت.
القسم الثاني: مواد عقيمة، مكررة لا تأتي بجديد، حفظت أفكارها، صَحّ فيها قول أهل الاختصاص "إنها قتلت بحثًا"، فضلا على أنها شوهت القيم الاجتماعية ولم تأت بحلّ أو بديل، فهذه المواد على الأقل يحتم واجب الوقت أن ترجأ لما بعد مرور موسم الطاعة، حتى لا تتوجب الخسارة، ويصدق فينا قول النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما أَخْرَجَه الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اُحْضُرُوا الْمِنْبَرَ فَحَضَرْنَاهُ، فَلَمَّا ارْتَقَى دَرَجَةً قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّانِيَةَ قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْك الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لِي فَقَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ قُلْتُ آمِينَ".
وصل الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
والحمد لله رب العالمين.