في خطوة وُصفت بأنها تعكس قدراً كبيراً من الثقة في قدرة الاقتصاد المصري على مواصلة مسار التعافي، أعلن البنك المركزي المصري، عن خفض أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض بنسبة 2%، بما يعادل 200 نقطة أساس.
القرار جاء استنادًا إلى مؤشرات اقتصادية مشجعة، أبرزها تراجع معدلات التضخم وزيادة ملحوظة في الاحتياطي النقدي الأجنبي، إلى جانب تسجيل تحويلات المصريين بالخارج مستويات قياسية خلال العام المالي الماضي.
القرار لم يأتِ بمعزل عن التطورات الاقتصادية الداخلية والخارجية، بل يمثل جزءًا من استراتيجية البنك المركزي لإعادة التوازن إلى السياسة النقدية وتحفيز بيئة الاستثمار، مع الحرص على السيطرة على التضخم.
تفاصيل القرار
أعلنت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، عقب اجتماعها يوم الخميس 28 أغسطس 2025، أنها قررت خفض سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية إلى 22% و23% و22.5% على الترتيب. كما تقرر خفض سعر الائتمان والخصم إلى 22.5%.
هذه القرارات جاءت بعد مراجعة دقيقة لأحدث البيانات الاقتصادية، والتي أظهرت تراجعًا في معدلات التضخم وتزايدًا في تدفقات النقد الأجنبي، وهو ما وفر مساحة أكبر أمام صانعي السياسة النقدية لاتخاذ مثل هذه الخطوات.
تراجع معدلات التضخم.. مؤشر مطمئن
أحد أبرز العوامل التي مهدت لخفض الفائدة هو الانخفاض الملحوظ في معدلات التضخم.
فقد سجل التضخم الأساسي المعد من جانب البنك المركزي 11.6% في يوليو 2025، مقارنة بـ 11.4% في يونيو.
أما معدل التغير الشهري في الرقم القياسي الأساسي لأسعار المستهلكين، فقد سجل سالب 0.3% في يوليو، مقابل سالب 0.2% في يونيو 2025 وسالب 0.5% في يوليو 2024.
وعلى صعيد التضخم العام للحضر الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فقد سجل 13.9% في يوليو 2025، انخفاضًا من 14.9% في يونيو، بينما سجل معدل التغير الشهري في الأسعار سالب 0.5%.
هذه الأرقام تشير بوضوح إلى تراجع الضغوط التضخمية، الأمر الذي شجع البنك المركزي على المضي في خطوة خفض الفائدة دون خشية من فقدان السيطرة على الأسعار.
تحويلات المصريين بالخارج.. دعم إضافي للاقتصاد
إلى جانب تراجع التضخم، جاءت تحويلات المصريين بالخارج لتمنح الاقتصاد دفعة قوية.
فقد بلغت التحويلات نحو 36.5 مليار دولار خلال السنة المالية 2024/2025، بزيادة قدرها 66.2% مقارنة بنحو 21.9 مليار دولار في 2023/2024.
كما شهد الربع الأخير من العام المالي (أبريل – يونيو 2025) تدفقات بلغت 10 مليارات دولار، بزيادة 34.2% على أساس سنوي.
وسجل شهر يونيو 2025 وحده أعلى مستوى شهري تاريخي للتحويلات عند 3.6 مليار دولار، بزيادة 40.7% مقارنة بنفس الشهر من العام السابق.
هذه التدفقات الكبيرة عززت من الاحتياطيات الأجنبية، ورفعت قدرة الدولة على تمويل الواردات وسداد الالتزامات الخارجية، وهو ما انعكس إيجابًا على استقرار سعر الصرف.
قرار جريء يعكس ثقة في الاستقرار الاقتصادي
في تصريحات خاصة، قال الدكتور عبد الهادي مقبل، رئيس قسم الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة طنطا، إن خفض الفائدة بنسبة 2% يمثل نقطة تحول في السياسة النقدية، ويؤكد أن الاقتصاد المصري دخل مرحلة من الاستقرار تسمح باتخاذ مثل هذه القرارات الجريئة.
وأضاف مقبل أن هذه الخطوة ليست مجرد إجراء تقني بل رسالة واضحة تفيد بأن الضغوط التضخمية بدأت في الانحسار، وأن الحكومة والبنك المركزي يراهنان على استدامة هذا التحسن في مؤشرات الاقتصاد الكلي.
تحفيز الاستثمار وتخفيف أعباء التمويل
من أبرز الأهداف المتوقعة من خفض الفائدة، كما أوضح مقبل، هو تنشيط بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات، سواء المحلية أو الأجنبية. فالقرار من شأنه أن يقلل من تكلفة الاقتراض، مما يسهل على الشركات والمستثمرين توسيع أنشطتهم، وزيادة معدلات التشغيل، وهو ما يسهم بدوره في خلق فرص عمل جديدة وتحريك عجلة النمو الاقتصادي.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن القطاعات الصناعية والإنتاجية ستكون الأكثر استفادة من القرار، نظرًا لما يوفره من تخفيف في الأعباء التمويلية، ما يعزز القدرة التنافسية للمصانع ويدعم توسعها.
تأثير إيجابي على السوق العقارية والتمويل الاستهلاكي
ولم يغفل مقبل الإشارة إلى التأثير المحتمل على السوق العقارية والقطاعات المرتبطة بالاستهلاك، حيث من المرجح أن يشجع خفض الفائدة على زيادة الإقبال على التمويلات العقارية والاستهلاكية، مما يعزز الطلب في السوق الداخلي، ويخلق دورة اقتصادية أكثر نشاطًا.
توازن دقيق بين النمو والسيطرة على التضخم
ورغم التفاؤل، أكد الدكتور عبد الهادي أن التحدي الرئيسي يظل في الحفاظ على التوازن بين دعم النمو الاقتصادي من جهة، والحفاظ على استقرار الأسعار من جهة أخرى. مشيرًا إلى أن البنك المركزي اتخذ القرار في توقيت مدروس، بعد تحسن ملموس في مؤشرات النقد الأجنبي وعودة تدفقات الاستثمار.
مصر على طريق التعافي المستدام
في ختام حديثه، شدد مقبل على أن قرار خفض الفائدة يرسل رسالة طمأنة قوية للأسواق والمستثمرين بأن الاقتصاد المصري يتعافى بخطى ثابتة. كما يعكس أن السياسات النقدية والمالية المتبعة بدأت تؤتي ثمارها، مما يجعل مصر أكثر جاذبية للاستثمار في الفترة المقبلة، ويضعها على الطريق نحو نمو اقتصادي مستدام.
مصر على طريق التعافي المستدام
يمثل خفض الفائدة بنسبة 2% رسالة قوية للأسواق العالمية والمحلية بأن مصر تسير في مسار تعافٍ مستدام. فالسياسات النقدية والمالية بدأت تؤتي ثمارها، والتدفقات الاستثمارية وتحويلات العاملين بالخارج تعزز من قوة الاقتصاد.
ومع استمرار الإصلاحات وتبني خطوات أكثر جرأة لدعم بيئة الاستثمار، تبدو مصر في موقع أفضل لجذب رؤوس الأموال وتعزيز معدلات النمو، ما يضعها على طريق تحقيق تنمية اقتصادية أكثر استقرارًا ومرونة.
قرار البنك المركزي المصري بخفض أسعار الفائدة 2% لم يكن مجرد تحرك في سوق المال، بل انعكاس لمرحلة جديدة من الثقة في الاقتصاد الوطني. الخطوة تحمل في طياتها رسائل طمأنة للمستثمرين والأسواق، وتفتح الباب أمام فرص أوسع للنمو، بشرط الحفاظ على التوازن بين دعم النشاط الاقتصادي والسيطرة على التضخم.
وبينما يصفه البعض بـ"الجريء"، يرى آخرون أنه كان ضروريًا ومُخططًا له بدقة، ليؤكد في النهاية أن مصر تمضي بخطى واثقة نحو استقرار اقتصادي مستدام يضعها في موقع أكثر قوة على الخريطة العالمية.