في مناسبة وطنية تحمل بين طياتها ذاكرة الكفاح ومعاني السيادة، جاءت كلمة رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، لتعيد التأكيد على أن استقلال السودان لم يكن حدثًا عابرًا في سجل التاريخ، بل مسارًا متجددًا من النضال والصمود. ففي الذكرى السبعين لاستقلال البلاد، وجّه البرهان رسالة قوية إلى الشعب السوداني، امتزج فيها الخطاب الوطني بالبعد الإنساني، مؤكّدًا أن معركة اليوم هي معركة وجود وكرامة، وأن النصر، مهما طال الطريق، قادم لا محالة.
ذكرى الاستقلال.. وطن يواجه اختبار البقاء
سبعون عامًا مرت على إعلان استقلال السودان في عام 1956، ذلك الحدث الذي شكّل لحظة فارقة في تاريخ الدولة الحديثة. غير أن هذه الذكرى تأتي هذا العام في ظرف استثنائي، حيث يعيش السودان واحدة من أصعب مراحله، في ظل حرب مفتوحة تهدد وحدة البلاد وسلامة مؤسساتها. وفي هذا السياق، بدت الذكرى السبعون للاستقلال وكأنها وقفة مراجعة وطنية، تُستدعى فيها روح الأجداد الذين انتزعوا الحرية، ويُعاد خلالها طرح سؤال السيادة والكرامة من جديد.
البرهان يخاطب الشعب.. النصر قادم ومعركة الكرامة مستمرة
في كلمته الموجهة إلى الشعب السوداني بمناسبة عيد الاستقلال، عبّر الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن ثقته المطلقة في نصر الله، مؤكدًا أن الشعب السوداني يخوض اليوم “معركة كرامة وجودية”، لا تقل في أهميتها عن معارك التحرر الأولى. وقال البرهان: «نطمئن أهلنا في كل السودان بأن النصر قادم، وأن النصر سيكون حليف الشعب السوداني»، في رسالة بثّت الطمأنينة وسط واقع يثقل كاهل المواطنين بالمعاناة والتحديات.
تهنئة بمرور 70 عامًا على الاستقلال وتحية للجيش
ووفقًا لما نقلته وكالة الأنباء السودانية «سونا»، هنأ رئيس مجلس السيادة الشعب السوداني بمرور سبعين عامًا على استقلال البلاد، مشيدًا بتضحيات القوات المسلحة والقوات النظامية والقوات المساندة لها، التي تخوض ما وصفها بـ«معركة الكرامة». وأكد أن هذه التضحيات تمثل امتدادًا طبيعيًا لنضال السودانيين عبر التاريخ من أجل الحرية والسيادة، مشددًا على أن ما يجري اليوم هو دفاع صريح عن الدولة في مواجهة محاولات تفكيكها.
المصالحة الوطنية.. أبواب مفتوحة ووطن يسع الجميع
وفي لفتة سياسية لافتة، أكد البرهان أن أبواب المصالحة الوطنية ما زالت مفتوحة، وأن الدولة ترحب بكل من يختار الانحياز إلى الوطن وصوت الحق. وقال إن السودان وطن فسيح يسع الجميع، متعهدًا بالعمل الجاد من أجل تأسيس دولة المواطنة، القائمة على الحقوق المتساوية وسيادة القانون. هذا الطرح جاء ليؤكد أن معركة الدولة ليست ضد مكون اجتماعي أو سياسي، بل ضد التمرد وكل ما يهدد وحدة البلاد.
السودان يصنع تاريخه من جديد
استحضر البرهان محطات تاريخية مفصلية في مسيرة السودان، مشيرًا إلى أن الشعب الذي صنع التاريخ في عام 1885، ثم كرره في عام 1956، قادر على صناعته من جديد. وأكد أن السودانيين، في كل عام وكل مرحلة، يثبتون قدرتهم على النهوض من تحت الركام، ومواجهة التحديات مهما عظمت. ووجّه التحية لأهل السودان في كل بقاعه، الذين صبروا وجاهدوا وقاوموا العدوان، مؤكدًا أن المعركة الحالية هي ذاتها معركة الاستقلال، ولكن في مواجهة “الاستعمار في ثوبه الجديد”.
وحدة الجبهة الداخلية وبشائر النصر
وأشار رئيس مجلس السيادة إلى أن هذه المعركة وحدت وجدان السودانيين، من دارفور إلى كردفان، ومن الشرق إلى الغرب، مؤكدًا أن النصر قادم وأن السودانيين سيتداعون كما فعلوا في محطات تاريخية سابقة لطرد المستعمر. وأضاف بثقة: «حتماً سنجتمع هنا مرة أخرى كسودانيين ونحتفل بطرد التمرد والخونة والمرجفين من بلادنا»، في رسالة حملت قدرًا كبيرًا من التحدي والإصرار.
التحية للشعب والقوى السياسية الوطنية
وشدد البرهان على أن النصر سيكون حليف الشعب السوداني، وأن من خان وطنه وباعه لأوهام الخارج لن يحقق سوى الخسارة. وأكد أن القوات المسلحة تقف مع الشعب في ثورته، ومع تطلعاته في الحرية والسلام والعدالة، موجهًا التحية للقوى السياسية المؤمنة بقضية الوطن، التي اختارت الاصطفاف إلى جانب الدولة ومؤسساتها الشرعية.
ذكرى الاستقلال رسالة صمود وسيادة
من جانبه، يرى اللواء نبيل السيد، الخبير الاستراتيجي، أن إحياء السودان للذكرى السبعين لاستقلاله في هذا التوقيت يحمل دلالات سياسية وعسكرية بالغة الأهمية، تتجاوز الطابع الاحتفالي التقليدي إلى التأكيد على بقاء الدولة السودانية وقدرتها على الصمود، رغم الحرب المفتوحة التي تخوضها ضد ميليشيا الدعم السريع، ويؤكد أن رمزية الاستقلال اليوم ترتبط ارتباطًا مباشرًا بمعركة الحفاظ على السيادة الوطنية ومنع انهيار مؤسسات الدولة.
كلمة البرهان المنتظرة.. رسالة حسم في الداخل والخارج
وأوضح اللواء نبيل السيد أن كلمة رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تمثل رسالة حاسمة موجهة للداخل والخارج، مفادها أن القوات المسلحة السودانية ستظل العمود الفقري للدولة، ولن تسمح بوجود سلاح خارج إطار الشرعية، وأضاف أن تأكيد وحدة الأراضي السودانية في هذه المناسبة يبعث برسالة واضحة بأن أي حلول سياسية مستقبلية لن تكون ممكنة في ظل استمرار التمرد المسلح.
معركة وجود لا صراع سلطة
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن ما يشهده السودان حاليًا لا يمكن توصيفه كصراع سياسي تقليدي على السلطة، بل هو معركة وجود تتعلق بهوية الدولة ومستقبلها، ولفت إلى أن الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق المدنيين في الخرطوم ودارفور والجزيرة وكردفان أسهمت في توحيد الشارع السوداني خلف القوات المسلحة، وخلقت وعيًا عامًا بخطورة ترك السلاح خارج سلطة الدولة.
الجيش واستعادة الأمن.. أولوية المرحلة
وأكد اللواء نبيل السيد أن التزام القوات المسلحة بحماية المدنيين واستعادة الأمن في مختلف الولايات يمثل أولوية قصوى في المرحلة الراهنة، مشددًا على أن بسط سيطرة الدولة على كامل التراب السوداني شرط أساسي لأي انتقال سياسي حقيقي ومستقر، يحفظ وحدة البلاد ويمنع تكرار سيناريوهات الفوضى.
الرسائل الدولية.. اعتراف بالشرعية والسيادة
وفيما يتعلق بالبعد الدولي، اعتبر اللواء نبيل السيد أن برقيات التهنئة التي تلقاها رئيس مجلس السيادة من عدد من القادة والزعماء الدوليين تعكس اعترافًا واضحًا بشرعية الدولة السودانية ومؤسساتها الدستورية، وتؤكد فشل محاولات الميليشيا في تقديم نفسها كبديل سياسي، وأوضح أن هذا الدعم الدبلوماسي يمنح الخرطوم هامشًا أوسع للتحرك سياسيًا على الساحة الدولية.
التهنئة الروسية.. دعم استراتيجي في توقيت حساس
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن برقية التهنئة التي وجهها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تكتسب أهمية خاصة، في ظل العلاقات الاستراتيجية بين الخرطوم وموسكو، مؤكدًا أنها تحمل رسالة دعم صريحة لوحدة السودان وسيادته، وتعكس إدراكًا دوليًا لطبيعة الصراع الدائر باعتباره تمردًا مسلحًا وليس نزاعًا سياسيًا متكافئًا.
نقطة تحول محتملة في مسار الأزمة
واختتم اللواء نبيل السيد تصريحه بالتأكيد على أن الذكرى السبعين لاستقلال السودان قد تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الأزمة الراهنة، إذا ما تم استثمارها سياسيًا وعسكريًا بشكل متوازن، موضحًا أن «استقلال السودان الحقيقي اليوم لا يكتمل إلا باستعادة الدولة لكامل سيادتها، وإنهاء التمرد المسلح، وفتح الطريق أمام مسار سياسي يعبر عن إرادة الشعب السوداني دون تهديد أو ابتزاز بالسلاح».
استقلال يتجدد بإرادة شعب
في الذكرى السبعين لاستقلال السودان، تبدو الرسالة واضحة.. الاستقلال ليس مجرد ذكرى تُستعاد، بل مسؤولية تُجدد. وبين خطاب القيادة، وصمود الجيش، وتكاتف الشعب، تبرز ملامح معركة طويلة لكنها حاسمة، عنوانها الحفاظ على الدولة وصون السيادة. وكما انتزع السودانيون حريتهم بالأمس، يبدون اليوم أكثر إصرارًا على حماية وطنهم، حتى يكتمل الاستقلال واقعًا آمنًا، ودولةً موحدة، ومستقبلًا يليق بتضحيات الأجيال