قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أصيل الشّابي يكتب: "متون مضيئة" على مأدبة مصطفى عبدالله

د. أصيل الشّابي
د. أصيل الشّابي

تابعت باهتمام بالغ أخبار كتاب"متون مضيئة ــ في حضرة الكتاب" للكاتب المصري الكبير مصطفى عبدالله ، وتأمّلت بعد ذلك عنوانه وسافرت بين محطّاته لأحطّ الرحال هنا وهناك في عوالم كتب كثيرة، وشدّني من البداية أسلوب المؤلّف الممتع والمرهف، ووعيه الدّقيق بأزمة القراءة الحالية. وتبادر إلى ذهني وأنا أقرأ الكتاب "أنطونيو مانغويل"وبخاصة في كتابه "فنّ القراءة" الذي جلا فيه أهميّة القارئ والتحوّلات الخارقة التي تحدثها فيه القراءة نفسيّا ومعرفيّا واجتماعيّا وثقافيّا، وتذكّرت كتبًا أخرى معاصرة، أصحابها أحياء بيننا كالكاتبة الفرنسيّة "رجين دوتمبال"صاحبة كتاب "الكتب التي تأخذ بأيدينا"والتي تدافع فيه عن وظيفة الكتب العلاجيّة في عالمنا اليوم ودورها في بناء الذات. ويطالب اليوم مثقّفون ومختصون في علم النفس والاجتماع في الغرب بإعادة الاعتبار للنصوص وضمان ما أطلق عليه "الصحّة الثقافيّة".
يهدي المؤلّف كتابه"إلى روح الفقيدين عبدالعزيز وعبدالكريم سعود البابطين لما بذلاه للكتاب العربي، كما يهديه إلى منْ يسيرون على نهجهما"، ويعرض في مقدّمته فكرة الكتاب، فهو "كتاب عن كتب" ص 7، ثمّ يعلن أنّ هدفه التوجّه إلى جيل الشباب الذي أسرته العوالم الافتراضيّة، ومواقع التواصل الاجتماعي، والصورة بدعوته إلى القراءة، ويرى أنّهم "ضحايا يحتاجون إلى منْ يستعيدهم إلى حضن الكتاب الدافئ ليس بالوعظ والإرشاد وإنّما بتوجيه خطاب يمكن أن يثق فيه هؤلاء الشباب." ص 8، ويصف كتابه بالمشروع الذي يهدف إلى جذب هؤلاء وتحريرهم من سطوة الأنترنيت، وإمتاعهم بالكتاب من خلال ما انتقاه لهم من متون مضيئة. وقد اعتمد لهذه الغاية خطّة من ثلاثة خطوط رئيسيّة: الاختصار، واللّغة العصريّة، وتنويع المحتوى، وذلك مراعاة لنفسيّة الشباب؛ فإن الكتاب جسر، والعمل برمّته استدراج لهم. 
صور المؤلّف في الباب الأوّل حبّه للكتب وشغفه بها ممّا جعله خادمًا لها، فقد عني دائمًا بتوسيع دائرة المفيدين من الكتاب، عندما كان محرّر الصفحة الأدبيّة في جريدة "الأخبار" المصرية الشهيرة، وعندما ترأّس تحرير جريدة "أخبار الأدب"، ومجلّة "الجسرة الثقافيّة"، أو قام بتأسيس مجلّة "فنون الجسرة". وتعمّقت علاقته بالكتاب من خلال صلاته المتينة بالناشرين في القاهرة والإسكندريّة؛ كدار مصر للطباعة، أول ناشر لنجيب محفوظ، و"مكتبة مصر"، و"مكتبة الخانجي"، و"عالم الكتب"، و"مكتبة النهضة المصرية"، و"دار النهضة العربية"، و"دار الفكر العربي"، و"دار غريب"، و"مكتبة سلامة موسى"، المعروفة بــ"دار ومطابع المستقبل"، و"دار نهضة مصر"، و"دار الشروق"، و"الدار المصرية اللبنانية"، ثم: "دار العين"، و"دار أطلس للنشر والبرمجيات"، و"دار شرقيات"، و"دار غراب" التي أصبحت ناشره المفضل.
لقد دأب مصطفى عبدالله على تلقّف العناوين الجديدة، ويبادر بلقاء كتّابها ويقدّمها إلى قرّائه، وكان له أسلوب مبتكر في تقديم الكتب؛ يستهلّه بالإشارة إلى دار النشر تسهيلًا على القارئ،وتعبيرًا عن تقديره لرسالة من يخدمون الكتاب من النّاشرين الذين ربطته بهم علاقة احترام ومودّة، فكانت دور النشر تبادر بتعريفه بجديدها وهو بعد تحت الطبع؛ ليكون أول من يبشر القارئ به. ولعل هذه العلاقة التي لمس فيها اتحاد الناشرين المصريين وعيه وإخلاصه للتعريف بالكتب قبل خروجها من المطابع، رشَّحه ليرأس تحرير مجلّة "الناشر المصري" ص 14.
يمتاز الكتاب بتنوّع يرضي الأذواق المختلفة، فإذا بنا ننتقل عبر أبوابه من السير إلى الروايات، ومن الروايات إلى النقد، ومن النقد إلى المحاورات، ومن المحاورات إلى الرحلة، فإذا بنا نحتكّ في كلّ مرّة بتجربة جديدة فيها ما فيها من التجديد والطرافة، فتنقلنا المقالات من الكتابة المرجعيّة، إلى الكتابة التخييليّة، ومن الإبداع كتابة إلى نظرة النقّاد ورؤاهم، ومن ذلك إلى الترجمة، والتمثيل، والرسم.
وتحضر في هذا الإطار تجارب الكُتّابِ من: مصر، وتونس، والجزائر، والمغرب، والبحرين، والإمارات، والكويت، ولبنان، والعراق، وسوريا، واليمن، والسودان، و البلاد العربيّة المختلفة، لتشمل وطننا العربي مغربا ومشرقا، فنقرأ كتبًا عن: نجيب محفوظ، والبيّاتي، وأمّ كلثوم، وصلاح الدين بوجاه، ومحمّد آيت ميهوب، وبنسالم حمّيش، وشريف مليكة، وعيسى بيومي، ومريم هرموش، وسعديّة بنسالم، وأحمد درويش، وعمر الشريف، وسمير صبري، ومحمود مختار، وتحية حليم، وطوغان، وحنّون مجيد، وـيمن السميري، وجابر عصفور، وصلاح فضل، ومحمد المر، وحسن مدنْ، وريم داوود، وأمير تاج السر، ولوتس عبدالكريم، ورشاد رشدي، وأشرف الخمايسي، وأحمد القرملاوي، ورشا صالح، وناصر عراق، ونعيم صبري، والمنفلوطي، ومحمد ساري، ومحمّد مندور، وشبلول، وسهام الفريح، ورشيد بنحدّو، ونبيل سليمان، وأحلام الطويل، وأسماء أخرى كثيرة.
وتنجلي حينئذ رؤية مصطفى عبد الله فهو لا يمدّ بهذا الكتاب جسرًا بين الكتابة والقرّاء فقط وإنّما يمدّ جسورًا بين الكتابة في العالم العربي ويربط بين الكتابة المحلّية بأفقها العربي والكتابة العالميّة من خلال اهتمامه الجليّ بالترجمة والمترجمين وعودته إلى نصوصهم بالتأمّل والتحليل، كما تنجلي هذه الرؤية بالجمع بين الفنون كالرسم والتمثيل والآداب المتنوّعة ليبرز لنا هذا الثراء العربي، فإنّ أجيالًا عربيّة متلاحقة أرست تقاليد ثقافيّة وجماليّة بخصوصيات محليّة سجّلتها أو تخيّلتها الأفلام والمسلسلات والمسرحيات واللوحات والسير الذاتيّة و الغيريّة واليوميات ومذكّرات الرحّالة، فتكون دلالة ذلك كلّه أنّ تاريخ العرب المعاصر ثريّ يدعو القرّاء وفي مقدّمتهم الشباب العربي إلى اكتشافه.
لقد تنوّعت الأبواب وتعدّدت وامتلأت بالأسرار فهذا جلال أمين يكشف أسرار أبيه أحمد أمين التي لم يكشفها في سيرته الشهيرة ومنها شعوره بأنّ زوجته لم تكن جميلة بالقدر الكافي ص 28، ويكتب سيرته مرّتين في:"ماذا علّمتني الحياة 1"، و"ماذا علّمتني الحياة 2"؛ ففي المجلد الثاني يعود بنا جلال أمين إلى طور البداية، كما في المجلد الأوّل،ليستدرك ما فاته، ليثير أسئلة تتعلّق بجوهر السيرة الذاتيّة وفي مقدّمتها إلى أيّ مدى يمكن الحديث عن وجود سيرة ذاتيّة شفّافة وصادقة في ظلّ الرقيب الذاتي والاجتماعي؟ 
يقول جلال أمين في هذا الصدد: "هناك أشياء أخرى تعمّدت من قبل ألاّ أذكرها، ثمّ رأيت الآن أنّه قد يكون من المفيد ذكرها" ص 24. وهذه سهام الفريح تبحر في التراث وتبرز قيمة المرأة العربيّة وإشعاعها وفاعليتها على عكس ما صوّره المستشرقون في الغرب، فكتب المؤلّف أنّ كتابها "المرأة العربيّة والإبداع الشعري" يمثّل صوت العقل و"ينزع غلالة مهينة نسجها حولها مثقّفو العرب المعاصرين، قبل المستشرقين من الأجانب، تتمثّل في أنّها مضطهدة، وأنّها لم تمنح أيّ فرصة للمشاركة المجتمعيّة، وأنّ الرّجل الشرقي غالبا ما ينظر إليها على أنّها ليست أكثر من حقل يحرثه لاستنبات المتعة الجسديّة" ص 229.
وها هو مؤلّف "متون مضيئة" يسلّط الضوء على أسماء كثيرة لمعت في سماء القاهرة والعالم كالممثّل الهوليودي عمر الشريف صاحب دور "دكتور زيفاجو" وغيره من الأدوار المثيرة، ويعود إلى كتاب "أم كلثوم: الشعر والغناء" للدكتور أحمد يوسف علي،و شخصيّتها المؤثّرة من خلال اختيار النصوص وتأديتها بأسلوب خاص، بل وتعديلها، كما هو الشأن مع قصيدة "الأطلال" للشاعر الكبير إبراهيم ناجي، كما يتوقف أمام  كتاب "الإنسان الرومنطيقي" لجورج غوسدورف الذي عرّبه الدكتور محمّد آيت ميهوب، وفاز عنه بجائزة الشيخ زايد للكتاب في مجالالترجمة، قبل عدة أعوام، ليبرز أبعاده الأدبية والفلسفيّة، والإبستيمولوجيّة، والإضافة التي يمثّلها للقرّاء العرب ص 294. 
إن كتاب "متون مضيئة ـــــ في حضرة الكتاب" يمثّل مأدبة على شرف القرّاء وفي مقدّمتهم الشباب العربي الذين غيّبتهم العوالم الافتراضيّة عن الكتاب، وها هو "مصطفى عبدالله" يقترح عليهم هذه المتع التي غفلوا عنها، أو مرّوا بجانبها كمتعة القراءة، والتمثيل، والموسيقى، والسفر. وتبطن هذه الدعوة معرفة هؤلاء الشباب بأنفسهم، فهذا تاريخهم، وهذه ثقافتهم المشعّة بتجارب إنسانيّة ملهمة لها وقع في كلّ ميدان وفي كلّ زمان.