قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

مصطفى الشيمي يكتب: حاجة قديمة

مصطفى الشيمي
مصطفى الشيمي

كانت ليلة شتاء دافئة، على غير ما اعتادته الأيام.
جلس  إلى جوار زوجته، يتقاسمان دفءَ البطانية وصمتًا مؤقتًا، بينما كان التلفاز يضيء الغرفة بضوءٍ أزرق بارد، كأنه نافذة تطلّ على عالمٍ آخر. تحدّثا عن الحياة كما يفعل الجميع؛ عن تأمين الغد، وعن الأبناء، وعن المصروفات التي تكبر أسرع من أعمارهم.
كان الحديث جادًّا، لكنّه مغمور بابتسامات صغيرة، تلك التي يولدها الأمل حين لا يجد بديلًا.
انتقلت الشاشة إلى الإعلانات. فللٌ شاهقة تطلّ على البحر، حدائق لا يذبل فيها العشب، ضحكات مصقولة، وأحلام جاهزة للاستهلاك. تأمّلا المشهد في صمت؛
هو يُجري الحسابات بعينيه، وهي تُمسك بجهاز التحكّم كأنّه مفتاح مصيرٍ مؤجَّل.
لم يكن الحلم مستحيلًا… كان فقط بعيدًا بما يكفي ليبدو جميلًا.
وفجأة، انقطع الخيال. صوتٌ خشن، صاعد من الشارع، يشقّ هدوء الغرفة، مردّدًا بنداءٍ طويل بالعامية، متوازن الإيقاع، مشغول بالسجع والقوافي:
" يا اللي عندِك الكركبة…
بشتري من المعلّقة لحد المرتبة،
ليكي العمر الطويل.
أشتري الدولاب والسرير،
بشتري الرخام… والأهمّ حُسن الختام.
يا اللي عندِك النحاس والألومنيوم،
ما تشيليش همّ الدنيا،
قلت الله المستعان…
أشتري التلاجة والسخّان.
اى حاجه قديمه للبيع "

ولم يجرؤ أيٌّ منهما على الاقتراب من النافذة ليطلب من المنادي أن يُخفّض صوته؛
كأنّ المسافة بين الشرفة والشارع لم تكن أمتارًا، بل فارقًا كاملًا بين عالمين.
خفض الرجل صوت التلفاز، والتفتت الزوجة نحوه، ولم يعودا يسمعان بعضهما كما كانا منذ لحظات.
ارتفع الصوت أكثر، واقترب، وتوقّف صاحبه أسفل الشرفة الأرضية، يكرّر النداء بإلحاحٍ لا يملّ، كأنّه يعرف أن في البيوت ما يستحق أن يُستدعى.
ظلّ التلفاز يعرض عالمه اللامع، وظلّ الرجل في الشارع ينادي، بينما وقف الزوجان في المنتصف، عالقَين بين إعلانٍ يبيع المستقبل، وصوتٍ يطالب بالماضي.
ابتسم الزوج ابتسامة ساخرة، وقال بهدوءٍ مكسور:
"يبدو أن الأحلام أيضًا يمكن أن تصبح أشياء قديمة." 
لم تُجِب الزوجة. ظلّت تنظر إلى التلفاز، ثم إلى الغرفة،
كأنها تراها للمرّة الأولى. الأثاث في مكانه، الجدران كما هي،
لكن شيئًا ما بدا أقدم من كل ذلك.
في تلك اللحظة فقط، أدركا معًا
أن ليس كل ما يُنادى عليه يُباع،
وأن بعض الأشياء لا تصير قديمة لأن الزمن مرّ،
بل لأن الحياة مرّت فوقها سريعًا،
وتركَتها خلفها؛
كالطمأنينة،
وكالأمان،
وكحلمٍ صغير
كان يتحدّثان عنه منذ دقائق، قبل أن يعلو صوت المنادي.
استمر النداء في الخارج، واستمرت الإعلانات في الداخل،
وبقي السؤال معلّقًا في المنتصف:
ماذا نملك حقًّا؟
وما الذي صرنا مستعدّين لبيعه دون أن ننتبه؟
وربما، لو امتلك أحدهم الشجاعة الكافية، لأطلّ من الشرفة وسأل المنادي:
«هل تشتري أحلامًا لم تُستعمل؟
أو وعودًا صالحة لكل زمن؟
أو مستقبلًا شاهدناه كثيرًا في الإعلانات… ولم نلمسه قط؟»
لكن لا أحد يفعل.
نغلق الشرفات، نرفع صوت التلفاز،
ونترك الرجل يرحل،
حاملًا على كتفه خردة الآخرين،
ومارًّا أسفل بيوتٍ امتلأت بأشياء جديدة…
إلا الحياة،فقد صارت قديمة بما يكفي
لكي لا يشتريها أحد.