فتاوى
حكم التكسب من لعبة البلياردو وألعاب الكمبيوتر.. الإفتاء: حرام فى هذه الحالة
الإفتاء: تجسيد الذات الإلهية بالـ"AI" حرام شرعا وتعد على الغيب
هل ثبت عن النبي أنه أدى صلاة الرغائب في شهر رجب؟.. الإفتاء توضح
نشر موقع صدى البلد خلال الساعات الماضية عددا من الفتاوى والأحكام التى يتساءل عنها تشغل أذهان كثير من المسلمين نستعرض أبرزها فى التقرير التالى.
حكم التكسب من لعبة البلياردو وألعاب الكمبيوتر
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: هل لعبة البلياردو ومراكز ألعاب الكمبيوتر تسلية مباحة، أم تتحول إلى كسبٍ محرَّم إذا خالفت القيم والأخلاق؟
وأجاب عن السؤال الدكتور عمرو الورداني، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، قائلا: بعض الناس يسألون عن لعبة البلياردو والأتاري وإقامة مركز لألعاب الكمبيوتر، لذلك لابد ان نؤكد على أن لعبة البلياردو حلال إذا لم يصاحبها شيء محرم يخرجه عن الأصل في الأشياء، حيث إن الأصل في الأشياء الإباحة.
حكم التكسب من ألعاب الكمبيوتر
وتابع خلال فيديو منشور عبر صفحة الإفتاء على فيس بوك: أما عن إقامه مركز لألعاب الكمبيوتر فإذا كانت الألعاب المبرمجة على الكمبيوتر والتي يتيحها ذلك المركز للشباب تهدف الى التسلية الفكرية والذهنية، وتمرر العقل على أن يستخدم الطاقات التي وهبها الله إياه، ولا تتضمن برامج لإثارة الغرائز والشهوات والدعوة إلى الإباحية أو لترويج العنف أو الجريمة، فتكون حلالا ولا بأس بها شرعا، ويكون الكسب الناتج عن تأجيرها حلالا
بلا شك.
يحرم التكسب من الألعاب فى هذه الحالة
وأضاف: أما إذا كانت تهدف إلى هدم الأخلاق والقيم أو تثير الغرائز الجنسية أو تروج للجريمة فإنها تكون محرمة، لإنها إعانة على أمر محرم، وقد قال الله تعالى “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان”، ويكون في هذا الوقت الكسب الناتج منها حراما.
حكم من ترك عمله الأساسي للتربح من السوشيال
أجاب الشيخ أحمد العوضي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن سؤال مفاده: ما حكم من ترك عمله الأساسي واتجه لـ التربح من مواقع التواصل الاجتماعي؟.
وأوضح الشيخ العوضي، في فتوى له، أن الإسلام يولي أهمية كبيرة للعمل والكدح من أجل الرزق، مشددًا على أن العمل هو أساس الحياة وهو مطلب شرعي لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنفسي.
وأشار إلى أن العمل في الإسلام ليس مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل هو عبادة وأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية، مستشهدا بآية كريمة في القرآن: "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه"، مؤكدًا أن الله سبحانه وتعالى دعا في هذه الآية إلى السعي والعمل الجاد.
وأكد أن هناك فرقًا بين العمل الجاد الذي يسعى الإنسان من خلاله إلى الكسب الحلال، وبين محاولات البحث عن الكسب السريع عبر السوشيال ميديا، الذي قد يتسبب في فترات من الكساد إذا توقفت الحركة على الإنترنت أو وقع الموقع في أزمة.
وتطرق إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يشجع الصحابة على العمل والكدح، مشيرًا إلى مواقف متعددة للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث كان يعمل بنفسه في عدة مجالات مثل التجارة ورعاية الأغنام، مما يعكس أهمية التفاني في العمل.
وأضاف أن العمل على السوشيال ميديا مشروط بشرطين: أن يتماشى مع الضوابط الشرعية وألا يتعارض مع القيم الأخلاقية، موضحًا أنه يجب أن يكون المحتوى الذي يُقدّم مفيدًا ولا يخالف الشرع، مع الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة لهذا المجال، محذرًا من الكسب غير المشروع أو الاستغلال غير الأخلاقي.
تجسيد الذات الإلهية بالـ"AI"
تلقت دار الإفتاء سؤالا مضمونه: ما حكم استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) لتوليد وتصميم صور مجسِّدة للذات الإلهية؟
وأجابت دار الإفتاء عن السؤال قائلة: استخدامَ تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعي في تصميم صورٍ أو توليد نماذج وتقنيات تُجسِّدُ الذاتَ الإلهيَّةَ -يُعدُّ تشبيهًا وتمثيلًا محرَّمًا شرعًا، يحرم الإقدام عليه بأي حال من الأحوال؛ صيانةً لحرمةِ العقيدةِ، وحفظًا لجلالِ المعبودِ عزَّ وجلَّ، وتجنُّبًا للاستخفافِ وتنقيصِ مقامه الأعلى، ومنعًا للتعدي على الغيبِ الذي استأثرَ سبحانهُ وتعالى بعلمهِ، والخوضِ فيما لا يليق بجلاله.
حكم توليد صور الذات الإلهية بالذكاء الاصطناعي
الأصل الثابت المقرَّر في عقيدة المسلمين أنَّ الذاتَ الإلهيةَ مقدسةٌ مُنزَّهةٌ عن التمثيل والتصوير والتجسيد؛ لأنَّه سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، كما أخبر اللهُ بذلك في كتابه العزيز بقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].
وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، أي: هل تعرف له نظيرًا أو شبيهًا أو مَن يُشاركه في اسمه وصفاته، كما في "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القُرْطُبي (11/ 130، ط. دار الكتب المصرية).
قال الإمام القُشَيْرِي في "لطائف الإشارات" (3/ 345، ط. الهيئة المصرية العامة للكتاب): [قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأنه فاطر السماوات والأرض، ولأنه لا مِثْل يضارعه، ولا شكل يشاكله، والكاف في ليس ﴿كَمِثْلِهِ﴾ صلة، أي: ليس مثله شيء، ويقال: لفظ "مثل" صلة، ومعناه: ليس كهو شيء، ويقال: معناه ليس له مثل؛ إذ لو كان له مثل لكان كمثله شيء وهو هو، فلما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فمعناه: ليس له مثل، والحق لا شبيه له في ذاته ولا في صفاتهِ ولا في أحكامهِ] اهـ.
ومن ثمَّ فإنَّ توليد الصور بالذكاء الاصطناعي للذات الإلهية فعلٌ محرمٌ شرعًا؛ لما يترتب عليه من محاذير شرعيةٍ وعقديةٍ جسيمة، من أبرزها ما يلي:
أولًا: المساس بجلال الله تعالى وتنزيهه؛ إذ إنَّ تمثيل الذات الإلهية بأي صورةٍ أو هيئةٍ يناقض ما تقرر من نفي التجسيد والمماثلة عن الله سبحانه وتعالى.
قال إمام الحرمين الجُوَيْنِي في "الشامل في أصول الدين" (ص: 287، ط. منشأة المعارف): [اعلموا أرشدكم الله أن مِن أعظم أركان الدِّين نفيَ التشبيه] اهـ.
ومثل هذا التمثيل للذات الإلهية العَلِيَّة يُعدُّ تعديًا صريحًا على مقتضيات التوحيد، ومساسًا بجناب الألوهية، فضلًا عما فيه من إساءة الأدب مع الله تعالى، واستخفافٍ بجلاله وعظمته، مما يُخِلُّ بما يجب له من التعظيم والإجلال والتقديس.
وأكَّد أئمة الهدى من التابعين والفقهاء هذا الأصل العقدي؛ بيانًا لوجوب التنزيه المطلق لله تعالى عن مشابهة خلقه أو تمثيله في صورةٍ من الصورِ.
قال الإمام البَيْهَقِي في "الأسماء والصفات" (2/ 60، ط. مكتبة السوادي): [لا يجوز أن يكون الباري تعالى مصوَّرًا، ولا أن يكون له صورةٌ؛ لأن الصورة مختلفةٌ، والهيئات متضادةٌ، ولا يجوز اتصافه بجميعها لتضَادِّها، ولا يجوز اختصاصه ببعضها إلا بمُخَصِّصٍ، لجواز جميعها على من جاز عليه بعضها، فإذا اختصَّ ببعضها اقتضى مخصِّصًا خصصهُ به، وذلك يوجب أن يكون مخلوقًا وهو محالٌ، فاستحال أن يكون مصوَّرًا، وهو الخالق البارئ المصوِّر] اهـ.
وقال الإمام أحمد بن حنبل فيما نقله عنه ابنه الإمام عبد الله في "الجامع لعلوم الإمام أحمد" (3/ 396، ط. دار الفلاح): [﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه، فحدَّ لنفسه صفة، ليس يشبهه شيء، فيُعبَد الله تعالى بصفاته، غير محدودةٍ، ولا معلومةٍ، إلا بما وصف به نفسه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.. فهو سميعٌ بصيرٌ بلا حدٍّ ولا تقديرٍ، ولا يبلغ الواصفون صفته] اهـ.
فمهما بلغ الناس من الفصاحة والعلم والمعرفة، أو بلغت أدواتهم التقنية من التطور والدقة، كوسائل الذكاء الاصطناعي ونحوها، فإنهم لا يستطيعون أن يحيطوا بصفاته سبحانه ولا أن يصفوه الوصف الكامل الذي يليق بجلاله وكماله؛ لأن صفاته أزلية غير محدودة، ولا يشبهها شيء من صفات المخلوقين.
وقال الإمام الطحَاوي في عقيدته المشهورة المسماة بـ"العقيدة الطحاوية" (ص: 15، ط. دار ابن حزم): [ومن لم يتوقَّ النفيَ والتشبيهَ زلَّ ولم يُصب التنزيه، فإن ربنا جلَّ وعلا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانية: ليس في معناه أحد من البريَّة، تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات] اهـ.
وبيَّن الإمام ابن عجيبة هذا المعنى في مخطوطة رسالته في العقائد كما نقل عنه محقق كتابه "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد" (1/ 24، ط. الدكتور حسن عباس زكي): [عليك أن تعتقد أن الله موجود قبل الأكوان.. وأنه ليس بجسمٍ مصوَّرٍ، ولا جوهرٍ محدودٍ مُقدَّر، وأنه لا يماثل الأجسام، لا في التقدير ولا في قبول الانقسام، وأنه ليس بجوهر، ولا تحله الجواهر، ولا بعرض، ولا تحله الأعراض، بل لا يماثل موجودًا، ولا يماثله موجود، وليس كمثله شيء، ولا هو مثل شيء، وأنه لا يحده المقدار ولا تحويه الأنظار، ولا تحيط به الجهات] اهـ.
وهو تقريرٌ جليٌّ بأن تمثيل الذات الإلهية وتوليد صورٍ لها بأي وسيلةٍ كانت -ومن ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي ونحوها- مخلٌّ بجلال الله تعالى وتنزيهه، ومناقضٌ لما يجب له من التعظيم والإجلال والتقديس.
ثانيًا: النهي عن التفكر في ذات الله تعالى: لما في ذلك من تجاوزٍ لحدود العقول ومزلةٍ في التصور، إذ إن العقل البشري قاصرٌ عن الإحاطة بذات الله المنزهة عن الكيفية والصورة.
يدل على ذلك: ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللهِ» أخرجه الأئمة: الطَّبَرَانِي في "الأوسط"، والأصبهاني في "العظمة"، والبَيْهَقِي في "الشُّعَب".
وعن عبد الله بن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وَآله وسلم ونحن في المسجد حِلَقٌ حِلَقٌ، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فِيمَ أَنْتُمْ؟» قلنا: نتفكر في الشَّمس كيف طَلَعَت؟ وكيف غَرَبَت؟ قال: «أَحْسَنْتُمْ، كُونُوا هَكَذَا، تَفَكَّرُوا فِي الْمَخْلُوقِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ» أخرجه الإمام الأصبهاني في "العظمة".
والحديثان وإن كان في سنديهما ضعف، إلا أن اجتماعهما يُكسبهما قوة، ومعناهما صحيح، ولهما شواهدُ تعضدهما، كما قرره الإمامان: الحافظ السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص: 261، ط. دار الكتاب العربي)، والحافظُ العَجلُوني في "كشف الخفاء" (1/ 358، ط. المكتبة العصرية).
والمعنى: تفكروا في خلقِ الله وما أودعه فيه من عجائب الصنعةِ الدالةِ على كمالِ قدرته، وعدم التفكر في ذاته؛ لأنه عزَّ وجلَّ منزَّه عن أن يوصف بصورة، ولذا أمر سبحانه بالتفكر في خلق السماوات والأرض، فإن دلائلها أعظم وأجلُّ، حتى إذا تأمل الإنسان في أصغر ورقة من الشجر وعجائب تركيبها، علم عجزه عن إدراك كيفية خلقها وما فيها من الدقة والحكمة، فتذهب الغفلة عن التفكر في ذاته جلَّ وعلا، وتوقظ القلب على الخشية والاعتراف بعظمة الخالق، كما في "إرشاد الساري" للإمام القَسطَلَّانِي (7/ 71، ط. المطبعة الكبرى الأميرية).
ولذا قال الإمام إسحاق بن راهويه كما نقله عنه الحافظ ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم" (2/ 172، ط. مؤسسة الرسالة): [لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا] اهـ.
ومن ثمَّ فإن محاولة توليد صورةٍ تُجسِّد ذات الله تعالى بالذكاء الاصطناعي تُعَدُّ مندرجةً في هذا النهي الصريح، بل أشدَّ خطرًا؛ لأنها تُحوِّل الوهم الباطل الطارئ في الذهن والتصور الخاطئ إلى صورةٍ محسوسةٍ تُرى وتُتداول بين الناس.
ثالثًا: ادعاء علم الغيب فيما لا يحيط به البشر علمًا: إذ إنَّ تصويرَ الذات الإلهية خوضٌ في عالمٍ غيبي لم يُؤذَن للإنسانِ بالإحاطةِ به، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]، وقال جلَّ شأنه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، و"الغيب: ما غاب عن علم الناس، وأصله مصدر غاب فسمي به الشيء الذي لا يشاهد"، كما أفاد العلامة الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" (13/ 60، ط. الدار التونسية).
إضافة إلى ذلك، فإن توليد هذه الصور قد يفضي إلى تصوراتٍ خاطئة واعتقادات فاسدة عن ذات الله عز وجل في أذهان الناس، لا أساس لها من الصحة، ومبنيَّة على الوهم والخيال، خصوصًا لدى الأجيال الناشئة التي قد تتلقَّى تلك الصور على أنها حقيقية أو مقبولة شرعًا، ومن المقرر في الشريعة المطهرة منع الوسائل المفضية إلى المحرمات والمنكرات ابتداءً، وهو ما عبَّر عنه الفقهاء بقولهم: "ما أفضى إلى الحرام حرام"، كما في "فتح القدير" للإمام كمال الدين بن الهُمَام (9/ 239، ط. دار الفكر)، وبلفظ آخر: "ما أدى إلى الحرام فهو حرام"، كما في "قواعد الأحكام" للإمام عِز الدِّين بن عبد السلام (2/ 218)، و"درء المفاسد أَوْلَى من جلب المصالح"، كما في "الأشباه والنظائر" للإمام السيوطي (ص: 87).
وعليه: فإن الواجب على المسلم أن ينزِّه فكره عن التوهم والتفكر في ذات الله سبحانه وتعالى بما يقتضي الهيئة أو الصورة، وألَّا يلجأ في ذلك إلى أي وسيلة من الوسائل، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، فإن ذلك خطر عظيم يُفضي إلى التشبيه والتجسيم بالذات العليَّة، والأحرى به أن يتفكر فيما دلَّ على قدرة الله تعالى وعظمته من آياته الكونية وأفعاله الباهرة، ليزداد بذلك إيمانًا وخشوعًا، لا أن يتفكر في ذاته جلَّ وعَلَا أو يسعى إلى إنشاء وتوليد صور لها.
وصية دار الإفتاء المصرية بشأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
وأوصت دار الإفتاء المصرية بشأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي المختلفة بالتعامل معها بحذر شديد، والاقتصار على استخدامها فيما فيه النفع والإفادة، مع الحرص على تجنب استعمالها في الأمور المحرَّمة أو الضارة، أو فيما يهدر الوقت دون فائدة، أو يشوه الحقائق، أو يؤدي إلى الفساد والانحراف، أو يتعارض مع القيم والعقيدة الإسلامية والأخلاق في المجتمعات.
هل ثبت عن النبي أنه أدى صلاة الرغائب في شهر رجب؟
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا مضمونه: ما حكم صلاة الرغائب في شهر رجب؟ فقد سمعتُ بصلاة تسمى "صلاة الرغائب" تؤدى في أول جمعة من شهر رجب بين صلاتي المغرب والعشاء، فما حكم هذه الصلاة؟ وهل هي سُنة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
وأجابت الإفتاء عن السؤال قائلة: لم يثبت بحديثٍ صحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاةٌ مخصوصة في أولِ ليلةِ جمعةٍ من شهر رجب، تُؤدَّى ما بين صلاتي المغرب والعشاء، بعددٍ معيَّن من الركعات، وكيفيةٍ مخصوصة من الذكر، على الوجه المتعارف عليه باسم "صلاة الرغائب".
وتابعت: وإنما ورد إحياءُ ما بين هذين الوقتين على جهة الإطلاق من غير تخصيصٍ بزمانٍ أو صفةٍ بعينها، ومع ذلك يبقى باب النوافل والطاعات مفتوحًا على إطلاقه، دون تقييدٍ بعددٍ أو هيئةٍ مخصوصة، فليصلِّ حينئذٍ مَن شاء ما شاء تطوُّعًا؛ طلبًا للأجر والثواب من الله عزَّ وجلَّ، ولا حرج في ذلك شرعًا.
بيان المراد بصلاة الرغائب المخصوصة بشهر رجب
وأوضحت ان صلاة الرغائب المخصوصة بشهر رجب: هي صلاةٌ ذاتُ صفةٍ مخصوصة، يُنقَل في وصفها أنها تُجعل بين صلاتي المغرب والعشاء ليلةَ أوَّلِ جمعةٍ من شهر رجب، بعد صيام يوم الخميس، بعدد اثنتي عشرة ركعة، تُؤدَّى بستِّ تسليمات. ينظر: "المجموع" للإمام النووي (4/ 56، ط. دار الفكر)، و"الجواهر من فقه الحنفية" للعلامة طاهر بن قاسم الخوارزمي (ص: 445، ط. دار السمان).
الحكم على الحديث الوارد في صلاة الرغائب المخصوصة بشهر رجب
واكدت انه من المقرَّر أن هذه الصلاة لم تثبت نِسبتُها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يُنقل فعلُها عن أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم، ولا عن التابعين، ولم يرد في مشروعيتها حديثٌ صحيح يُعتمد عليه. ينظر: "المجموع" للإمام النووي (4/ 56)، و"تبيين العجب بما ورد في شهر رجب" للحافظ ابن حجر العسقلاني (ص: 23، ط. مؤسسة قرطبة).
وأمَّا الحديث الوارد في فضل صلاة الرغائب، وهو: "مَا مِن أحد يَصُوم أول خَمِيس من رَجَب، ثمَّ يُصَلِّي فِيمَا بَين العشَاء وَالعَتَمَة اثنَتَي عشرَة رَكعَة، يفصل بَين كل رَكعَتَينِ بِتَسلِيمَةٍ، يقرَأ فِي كل رَكعَة بِفَاتِحَة الكتاب مرَّة، وَإِنَّا أَنزَلنَاهُ فِي لَيلَة القدر ثَلَاث مَرَّات، وَقل هُوَ الله أحد اثنَتَي عشرَة مرَّة، فَإِذا فرغ من صلَاته صَلَّى عَلَيَّ سبعين مرَّة، يَقُول: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِي الأُمِّي وَعَلَى آله، ثمَّ يسجد وَيَقُول فِي سُجُوده سبعين مرَّة: سُبُّوح قُدُّوس رب المَلَائِكَة وَالروح، ثمَّ يرفع رَأسه وَيَقُول سبعين مرَّة: رب اغفِر وَارحَم، وَتجَاوز عَمَّا تعلم، إِنَّك أَنت الأَعَز الأكرم، ثمَّ يسجد سَجدَة أُخرَى وَيَقُول فِيهَا مثل مَا قَالَ فِي السَّجدَة الأولَى، ثمَّ يسأَل حَاجته فِي سُجُوده، فَإِنَّهَا تُقضى".
فقد تكلَّم فيه أهلُ العلم بالحديث، وحكم عليه غيرُ واحدٍ من الحفَّاظ بالوضع وعدم الثبوت، منهم: الحافظ ابن الجوزي في "الموضوعات" (2/ 125، ط. المكتبة السلفية)، والحافظ العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (ص: 240، ط. دار ابن حزم)، والحافظ العجلوني في "كشف الخفاء" (2/ 31، ط. المكتبة العصرية).
الإقبال على أبواب الطاعة المشروعة في شهر رجب
إذا تقرَّر ما سبق، فإنَّ عدم ثبوت صلاة الرغائب على الوجه المشهور لا يَحُول دون الإقبال على أبواب الطاعة المشروعة في سائر الأوقات، ولا سيما في الأشهر والليالي التي يكثر فيها العمل الصالح، كشهر رجب وغيره: من صلاة النوافل، وقيام الليل، وتلاوة القرآن، والإكثار من الذِّكر والدعاء، من غير التزام عبادةٍ مخصوصةٍ بزمانٍ أو هيئةٍ أو عددٍ لم يدلَّ عليها دليلٌ صحيح؛ إذ النوافل وقيام الليل من القُرَب المندوب إليها على الإطلاق، وذلك كلُّه داخلٌ في باب التطوُّع المشروع.
والتطوُّع هو التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرضٍ من العبادات، وهو من أجلِّ الأعمال التي تُورِث محبَّةَ الله عزَّ وجلَّ لعباده، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ اللهَ قَالَ: مَن عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَد آذَنتُهُ بِالحَربِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيهِ، وَمَا يَزَالُ عَبدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» أخرجه الإمام البخاري.
كما قد ورد في السُّنَّة ما يحثُّ على الإكثار من النوافل، وإحياء ما بين صلاتي المغرب والعشاء بالصلاة على جهة الإطلاق، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن صَلَّى بَينَ المَغرِبِ وَالعِشَاءِ عِشرِينَ رَكعَةً، بَنَى اللهُ لَهُ بَيتًا فِي الجَنَّةِ» أخرجه الأئمة: الترمذي، وابن ماجه، وأبو يعلى الموصلي في "المسند"، وابن شاهين في "الترغيب".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن صَلَّى بَعدَ المَغرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَم يَتَكَلَّم بَينَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنتَي عَشرَةَ سَنَةً» أخرجه الأئمة: الترمذي، وابن ماجه، والطبراني في "المعجم الأوسط".
الأحاديث وإن كان في أسانيدها ضعف، فإنَّها ممَّا يُعمل به في فضائل الأعمال عند عامة العلماء، على ما هو المقرَّر في هذا الباب.
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 36، ط. دار ابن حزم): [قال العلماءُ من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم: يجوز ويُستحبُّ العمل في الفضائل والترغيب والترهيب بالحديث الضعيف ما لم يكن موضوعًا] اهـ.
وقال الإمام الحداد الحضرمي الشافعي في "النصائح الدينية" (ص: 137، ط. الحاوي): [ومن المستحب المتأكد إحياء ما بين العشاءين بصلاة، وهو الأفضل، أو تلاوة قرآن، أو ذكر الله تعالى من تسبيح أو تهليل أو نحو ذلك.. وبالجملة فهذا الوقت من أشرف الأوقات وأفضلها، فتتأكد عمارته بوظائف الطاعات ومجانبة الغفلات والبطالات] اهـ.
وقال الإمام البعلي الحنبلي في "الروض الندي" (ص: 95، ط. المؤسسة السعيدية): [(و) يسن (إحياء بين العشاءين) وهو من قيام الليل] اهـ.
ومن ثمَّ يتبيَّن أنَّ التنفُّل بالصلاة ما بين المغرب والعشاء مشروعٌ في جميع الأوقات من غير إنكار، ويُندَب الإكثار منه في الأيام والأزمنة الفاضلة، كيوم الجمعة، والأشهر الحُرُم؛ لما تقرَّر من مضاعفة الحسنات.
قال العلامة الرحيباني في "مطالب أولي النهى" (2/ 385، ط. المكتب الإسلامي) [(وتضاعف الحسنة والسيئة بمكان).. (وبزمان فاضل) كيوم الجمعة، والأشهر الحرم ورمضان. أمَّا مضاعفة الحسنة، فهذا مما لا خلاف فيه] اهـ.
محل إنكار صلاة الرغائب
محلُّ الإنكار أن تُنسب صلاةٌ بعينها، بصفةٍ مخصوصة، وكيفيَّةٍ معيَّنة -إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غير حديثٍ صحيحٍ يثبت نِسبتها إليه.
ويُضاف إلى ذلك أنَّ من أوجه المنع في صلاة الرغائب -على الصفة المتعارف عليها- عند بعض أهل العلم إنما هو لما اقترنت به من ظاهرة الاجتماع والجماعة في صلاة التطوُّع، والمقرر عندهم أن اجتماع الناس على أداء صلاة التطوُّع جماعة إنما يكون في حالات مخصوصة، كصلاة التراويح والعيدين والكسوف والاستسقاء، أمَّا إذا صُلِّيَت فرادى فليس فيها مانع شرعي.
قال الإمام ابن نجيم الحنفي في "البحر الرائق" (2/ 56، ط. دار الكتاب الإسلامي) في معرض بيان حكم الاجتماع على النوافل: [قال في "الحاوي القدسي": "ولا يصلى تطوع بجماعة غير التراويح، وما روي من الصلوات في الأوقات الشريفة كليلة القدر وليلة النصف من شعبان وليلتي العيد وعرفة والجمعة وغيرها تصلى فرادى" انتهى، ومن هنا يعلم كراهة الاجتماع على صلاة الرغائب التي تفعل في رجب] اهـ.
وقال الإمام ابن الحاج المالكي في "المدخل" (1/ 310، ط. دار التراث): [وقد تقدم أن فعل صلاة الرغائب في جماعة بدعة، ولو صلَّاها إنسانٌ وحده سرًّا لجاز ذلك] اهـ.



