على مدار ثلاثين عاما كاملة، عاش طبيب مصري بعيدا عن أرضه، يحمل هم الغربة ويكابد مشقتها، واضعا نصب عينيه هدفا واحدا، وهو أن يؤمن مستقبل أبنائه ويمنحهم حياة كريمة لا يحتاجون بعدها لأحد.
وكان هذا الطبيب هو الدكتور محمد عبد الغني قاسم، ابن محافظة الشرقية، الذي أفنى عمره في العمل بالخارج طبيبا، متنقلا بين السنوات والبلدان، لا يعرف للراحة طريقا.
وطوال سنوات غربته، لم يحتفظ الدكتور محمد لنفسه بشيء، ولم يكن له حساب بنكي واحد داخل مصر، ولم يبقِ أي سلطة مالية أو قانونية بيده. بل على العكس، منح أبناءه كل الثقة، فأعطاهم كافة الصلاحيات والتوكيلات، سواء فيما يخص الأموال أو العقارات، مؤمنا أن ما يفعله هو استثمار في أولاده ومستقبلهم.
وفي هذا الصدد، يقول الدكتور عمر عبدالغني، ابن الدكتور محمد عبدالغني: "أنا طبيب، وأخي يعمل مهندسا، وقد نشأنا في بيت واحد على يد أب أفنى عمره كله في تربيتنا ورعايتنا، ولم يكن يفكر يوما في نفسه بقدر ما كان همه الأكبر هو مصلحتنا ومستقبلنا، فكان يعمل ويتعب ويضحي، واضعا راحتنا قبل راحته، وأحلامنا قبل أحلامه".
وأضاف عبدالغني- خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "كبرنا ونحن نرى جهده وتعبه، ونعرف جيدا كم تحمل من أجل أن نصل إلى ما نحن عليه اليوم، لذلك وبالرغم من حبي العميق لإخوتي وحرصي الدائم على بقاء الروابط بيننا، إلا أن موقفي في هذه الأزمة كان واضحا وحاسما منذ البداية".
وتابع: "أنا واقف إلى جانب أبي، وسأظل سندا له في كل الظروف. لم أتردد لحظة في أن أتحمل المسؤولية كاملة، فكنت أنا من تولى رفع القضايا والدفاع عن حقه، ليس بدافع الخصومة، ولكن بدافع العدل ورد الجميل لرجل لم يقصر يوما في حق أبنائه".
واختتم: "وسأبقى واقفا في ظهر أبي حتى آخر لحظة في حياتي، لأن الوقوف بجانبه ليس خيارا ولا موقفا عابرا، بل واجب أخلاقي وإنساني، ووفاء لرجل أعطى كل ما يملك دون انتظار مقابل".
وخلال الستة عشر عاما الأخيرة فقط من غربته، قام بتحويل ما يقرب من خمسين مليون جنيه مصري، أي ما يعادل أربعة ملايين ريال، إلى أبنائه وبناته، ولم يتردد، ولم يسأل، ولم يطلب إيصالا أو ضمانا، وكان يعتقد أن الأب لا يحتاج إلى إثبات حسن نيته مع أبنائه.
أما ابنه، فقد ظل عاطلا عن العمل لمدة ستة عشر عاما كاملة، وكان الأب هو السند الوحيد له، تولى تزويجه على نفقته الخاصة، وفتح له بيته، ومنحه الأموال، بل وأعطاه السيارات، وكل ما يحتاجه ليعيش حياة مستقرة كريمة، دون أن يشعر يوما أنه مثقَل أو مدين.
ومرت السنوات، حتى بلغ الدكتور محمد التاسعة والستين من عمره. شعر أن الجسد لم يعد يحتمل، وأن وقت الراحة قد حان، قرر أن يتوقف عن العمل، وأن يعود إلى وطنه بعد غياب طويل، متطلعا إلى قضاء ما تبقى من عمره بين أبنائه، محاطا بالهدوء والطمأنينة.
لكن ما إن أعلن قراره، حتى انقلب المشهد رأسا على عقب.
وفي هذا الصدد، يقول الطبيب، بألم بالغ، إن ابنه تغيّر فجأة، وواجهه بكلمات صادمة: "دي فلوسي… وإنت لو راجل أثبت إنها فلوسك!"
لم يكن ذلك فحسب، بل ساعدته شقيقته الكبرى في هذا الموقف، وهو ما جعل الأب يصفها بحسرة شديدة بأنها "رأس الأفعى"، بعدما وقفت ضده بدلا من أن تقف إلى جانبه.
وجد الرجل نفسه، بعد عمرٍ كامل من العطاء، مطالبا بإثبات أن أمواله… هي أمواله.. أموال جمعها من عرقه وسهره وغربته، وأنفقها على أبنائه دون حساب أو انتظار مقابل.
ورغم كل ما حدث، يؤكد الدكتور محمد أنه يمتلك جميع المستندات والأوراق الرسمية التي تثبت تحويله للأموال، وتمنحه الأمل في استعادة حقه المسلوب.
لكنه، قبل كل شيء، يرفع يديه إلى السماء، داعيا الله أن يمنحه الصبر، وأن ينصره، وأن يجبر بخاطره بعد ما كسره أقرب الناس إليه.
والجدير بالذكر، إنها قصة أب ظن أن الأمان في الأبناء، فعاد ليكتشف أن الغربة الحقيقية… لم تكن خارج الوطن.



