لم يكن يتخيل الدكتور محمد عبدالغني الاستشاري المصري الذي قضى ثلاثين عامًا من عمره في المملكة العربية السعودية، أن تنتهي رحلة غربته الطويلة بهذه الصورة القاسية.
رجل أفنى عمره في العمل، جمع المال بعرق السنين، ووهبه كاملًا لأبنائه دون حساب، ليجد نفسه في لحظة ضعف مهددًا ومهانًا، ومتهمًا في أمواله، بل وملقى على الأرض بعد إصابته بنزيف في المخ، نتيجة صدمة نفسية لم يحتملها جسده السبعيني.
وفي تصريحات خاصة لـ صدي البلد، كشف الطبيب تفاصيل صادمة عن واحدة من أكثر القصص الإنسانية قسوة، حيث تحولت الثقة المطلقة إلى سلاح، وتحول الأب إلى خصم، والابن إلى جلاد.
«كنت استشاريًا 30 سنة.. وكل فلوسي لأولادي»
ويبدأ الدكتور محمد عبدالغني، روايته بالتأكيد على أنه عمل استشاريًا في السعودية لما يقرب من ثلاثين عامًا، وكان يتقاضى راتبًا كبيرًا يتناسب مع خبرته وسنوات خدمته.
وقال: “أنا طول عمري استشاري وباخد مرتب كبير، وكل الفلوس دي ما دخلتش حسابي، كل حاجة كانت بتتحول لأولادي، خاصة ابني الكبير العاطل، اللي عنده دلوقتي 39 سنة ونص”.
ويؤكد الطبيب أن ابنه الأكبر لم يكن يعمل، وأنه تكفل بكل تفاصيل حياته، من مصروفه الشخصي، إلى زواجه، وحتى الإنفاق على أولاده، مشيرًا إلى أن ابنته الكبرى، التي تجاوزت الأربعين عامًا، كانت المحرك الأساسي لكل ما يحدث، وتزوده بالمعلومات وتؤجج المواقف.
«كل التوكيلات باسمه.. وكل الأموال في يده»
وبحسب رواية الطبيب، لم يحتفظ لنفسه بشيء، قائلا بحسرة: “كل أملاكي، وكل حساباتي، وكل التوكيلات كانت باسم ابني. خليته هو الكبير، وهو المتصرف في كل حاجة”.
ومرت السنوات، ولم يخطر بباله أن يسأل: ماذا لو تغيّر؟ ماذا لو أنكر؟.. الثقة كانت كاملة، والنية كما يقول كانت صافية.
قرار العودة.. وبداية الانقلاب
وعندما بلغ الدكتور عبدالغني 69 عامًا، أُبلغ بعدم تجديد التعاقد معه في السعودية بسبب السن، فقرر العودة النهائية إلى مصر، معتقدًا أن ما جمعه خلال عمره سيكون سندًا له في شيخوخته.
لكن المفاجأة كانت صادمة. يقول: “أول ما قلت له أنا نازل ومش هيجددوا لي، لقيته اتغير فجأة. شتيمة، إهانات، تهديدات، أسلوب عمره ما حصل”.
ويضيف أن ابنه عرض عليه “مرتبًا شهريًا” من أمواله نفسها، وكأنه يتصدق عليه: “قال لي هديك 7 آلاف في الشهر بدل 15 ألف، عشان أنت معاك عيلين وأنا معايا خمسة”.
«دي فلوسي يا ابني.. رد عليّ إزاي؟»
ولم يستوعب الأب الموقف، فسأله: “هو أنت بتديني منين؟ دي فلوسي كلها، 30 سنة شغل، وأنا مالياش جنيه واحد باسمي”.
لكن الرد كان صادمًا ومهينًا، ومشحونًا بالسخرية والتهديد، حتى أنه هدده بالسجن، وبالنفوذ، وبجهات سيادية.
مكالمة جماعية تحولت إلى كابوس
وحاول الطبيب إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فتواصل مع باقي أبنائه في مكالمة جماعية، على أمل أن تعود الأمور إلى رشدها. لكن الابن الأكبر دخل المكالمة، وتصاعدت الإهانات أمام الجميع.
«سقطت على الأرض».. الصدمة تتحول إلى نزيف
وبعد أيام قليلة، جائه صهره برسالة قاسية: “مش لنا دعوة بيك، ولا لينا دعوة بيه”.
ويقول الطبيب: “كنت لسه خارج من باب البيت، وسقطت على الأرض من هول الكلام”.
ودخل في حالة إعياء شديد، أعقبها صداع حاد وتنميل في الجانب الأيسر من جسده، ليكتشف الأطباء إصابته بنزيف في المخ، لم يكن الأول، بل تكرر مرة أخرى نتيجة الضغط النفسي والحزن.
«بنيت 3 أبراج.. وما دخلش جيبي جنيه»
ويفجّر الطبيب مفاجآت أخرى، مؤكدًا أنه بنى ثلاث أبراج سكنية، وباع وحدات بملايين الجنيهات، آخرها وحدة بـ1.7 مليون جنيه منذ شهور.
ويقول بحرقة: “والله ما دخل جيبي جنيه واحد.. واحد فيهم أخد كل حاجة”.
كما نفى مزاعم مشاركة والدته في أمواله، موضحًا أنها عملت سبع سنوات فقط، بينما هو استشاري منذ 23 عامًا بعدها، وكان دخله أضعافًا مضاعفة.
قصة الدكتور محمد عبدالغني ليست مجرد خلاف عائلي، بل مأساة إنسانية لرجل دفع ثمن الثقة العمياء، ووجد نفسه في نهاية العمر مريضًا، مهددًا، ومنكرًا لتاريخه. فهي قصة تفتح أسئلة مؤلمة عن العقوق، وعن غياب الضمانات، وعن آباء ظنوا أن التضحية وحدها تكفي، فكانت النتيجة صدمة كادت تودي بحياتهم.