تشهد مناطق متفرقة من العالم العربي، بينها قطاع غزة وشرق المتوسط، موجة من الطقس شديد القسوة، تميزت بانخفاضات حادة في درجات الحرارة ونشاط ملحوظ للرياح والأمطار.
وبينما يعزى ذلك ظاهريا إلى مرور منخفض جوي قوي، تكشف التفسيرات العلمية عن عامل أعمق وأكثر تعقيدا يقف خلف هذا الاضطراب، هو ما يعرف بـ«الدوامة القطبية».
ما هو المنخفض الجوي؟
المنخفض الجوي هو منطقة ينخفض فيها الضغط الجوي مقارنة بالمناطق المحيطة، ما يؤدي إلى اندفاع الرياح الرطبة نحو مركزه وارتفاعها إلى أعلى، فتتكون السحب وتهطل الأمطار، غالبا مصحوبة برياح نشطة واضطرابات جوية ملحوظة إلا أن شدة البرودة المصاحبة لبعض المنخفضات الشتوية تتجاوز أحيانا المعتاد، وهو ما يفتح الباب أمام تفسير آخر.
احترار مفاجئ في طبقات الجو العليا
لفهم الدور الخفي للدوامة القطبية، لا بد من التوقف عند ظاهرة تسمى «الاحترار الستراتوسفيري المفاجئ».
تقع طبقة الستراتوسفير على ارتفاع يتراوح بين 10 و50 كيلومترًا فوق سطح الأرض، وتحتوي على طبقة الأوزون، وتعلو طبقة التروبوسفير التي تحدث فيها معظم ظواهر الطقس اليومية.
في بعض فصول الشتاء، تتعرض الستراتوسفير فوق القطب الشمالي لارتفاع حاد ومفاجئ في درجات الحرارة، قد يقفز من نحو 70 درجة مئوية تحت الصفر إلى قرابة 50 درجة مئوية.
هذا التغير العنيف في الطبقات العليا لا يبقى دون أثر، بل ينعكس تدريجيًا على الطقس في الأسفل.
الدوامة القطبية حارس البرودة
الدوامة القطبية هي نظام ضخم من الضغط المنخفض يتمركز فوق كل من القطبين، ويدور بطريقة تشبه الإعصار، ممتدا عبر طبقات الجو العليا.
في حالتها الطبيعية، تكون الدوامة متماسكة كقبة واحدة، تحبس الهواء القطبي شديد البرودة داخل الدوائر القطبية، وتمنع تسربه جنوبا.
لكن عندما يشتد الاحترار الستراتوسفيري المفاجئ، تضعف هذه الدوامة، وقد تنقسم إلى خليتين أو أكثر، فتفقد تماسكها، وتبدأ كتل الهواء البارد في الانفلات من قيودها الطبيعية.
حين تسافر البرودة جنوبا
في الحالات الشديدة، قد تتفتت الدوامة القطبية إلى أجزاء أصغر، تسمح للهواء القطبي بالاندفاع نحو العروض الوسطى، وصولا إلى مناطق بعيدة عن القطبين، مثل الولايات المتحدة، وجنوب أوروبا، بل وحتى شمال أفريقيا وأجزاء من العالم العربي.
وهنا تصبح الأجواء مهيأة لموجات برد قاسية، وانخفاضات حادة في درجات الحرارة، وقد تتشكل منخفضات جوية أعمق وعواصف أشد.
تأثيرات متوقعة على شرق المتوسط
تشير بيانات حديثة إلى أن الدوامة القطبية شهدت اضطرابا واضحا خلال الفترة الأخيرة، ما أدى إلى اهتزاز «جدار الهواء البارد» الذي كان يحجز البرودة شمالا، وسمح بتسرب كتل هوائية شديدة البرودة نحو مناطق أوسع.
كما أوضحت دراسة علمية نُشرت عام 2025 في دورية Communications Earth & Environment أن بعض أحداث الاحترار الستراتوسفيري المفاجئ تضعف الدوامة القطبية في طبقات الجو العليا، ثم ينتقل تأثير هذا الاضطراب تدريجيًا إلى الطبقات الأدنى خلال أيام أو أسابيع.
عواصف أقوى ولكن ليس دائمًا
تلفت الدراسة إلى أن هذا الانتقال قد يغير مسار التيار النفاث وأنماط الضغط الجوي واسعة النطاق فوق أوروبا وشرق المتوسط، ما يجعل الغلاف الجوي أكثر قابلية لاندفاعات باردة قوية، ويزيد فرص تشكل منخفضات أعمق أو عواصف أشد تأثيرا، وإن كان ذلك لا يحدث بالضرورة في كل مرة.
وتشير النتائج كذلك إلى أن شرق البحر المتوسط قد يشهد ازديادا في عدد العواصف عالية التأثير مقارنة ببعض مناطق أوروبا الوسطى، في ظل تزايد اضطرابات الدوامة القطبية خلال مواسم الشتاء الأخيرة.
بهذا المعنى، لا يعود الطقس العنيف مجرد حالة عابرة، بل جزءًا من منظومة جوية معقدة تبدأ من أعالي الغلاف الجوي، حيث تتشكل «الدوامة القطبية»، وتنتهي بتأثيرات ملموسة نشعر بها على الأرض، في صورة برد قارس ومنخفضات أشد قسوة.


