في ظل تحولات جيوسياسية متسارعة، يعود ملف إنشاء جيش أوروبي مشترك إلى واجهة النقاش السياسي داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، مدفوعا بقلقٍ متزايد من التوجهات الأمريكية الجديدة، ولا سيما التهديدات المتكررة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب من حلف الناتو، وانتقاداته اللاذعة للدول الأوروبية باعتبارها عبئا أمنيا على واشنطن.
إسبانيا تدعو لإنشاء قوة أوروبية مشتركة
إسبانيا.. أعادت فتح أحد أكثر الملفات حساسية داخل الاتحاد الأوروبي، إذ حث وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، دول الاتحاد على التحرك الجاد نحو تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة، قادرة على ردع التهديدات، دون الارتهان لأي قوى خارجية، معتبرا أن هذا المسار يمثل إجراء ضروريا للردع في عالم يزداد اضطرابا.
توحيد العقائد القتالية الأوروبية
وتقوم فكرة إنشاء جيش أوروبي مشترك على تجميع القدرات الدفاعية الأوروبية ودمج الصناعات العسكرية، وتنسيق العقائد القتالية، وإنشاء هياكل قيادة مشتركة، تسمح لدول الاتحاد بالتحرك العسكري دون انتظار الضوء الأخضر من واشنطن.

قدرات عسكرية أوروبية نوعية
وبالنظر إلى الإمكانيات العسكرية لدول القارة العجوز، فإن أوروبا تمتلك بالفعل قاعدة عسكرية ضخمة ونوعية تؤهلها لبناء قوة مشتركة فعالة، وذلك يرجع إلى امتلاكها للقوة النووية وقاعدة صناعات عسكرية هائلة وقوات جوية وبحرية مؤثرة وجيوش برية لديها خبرات في الردع التقليدي وأنظمة دفاع جوي عالية الكفاءة.
تحديات تواجه إنشاء القوة الأوروبية المشتركة
لكن الطريق إلى هذا الهدف ليس مفروشا بالورود؛ فالتباينات السياسية، واختلاف الرؤى الاستراتيجية بين دول الشرق والغرب الأوروبي، إضافة إلى التخوف من ازدواجية المهام مع الناتو، كلها تحديات حقيقية تقف أمام المشروع.

هواجس أوروبية من المظلة الأمريكية
اللافت في المشهد الراهن أن المخاوف الأوروبية لم تعد محصورة في التهديدات التقليدية، سواء القادمة من الشرق أو الجنوب، بل باتت تشمل عدم اليقين تجاه السلوك الأمريكي ذاته، فالتوجه الأمريكي الجديد، القائم على أولوية المصالح الضيقة والانكفاء النسبي، يضع أوروبا أمام احتمال فقدان المظلة الأمنية في لحظة حرجة من تصاعد التنافس الدولي وتعدد بؤر التوتر.

في عالم يتجه نحو تعددية قطبية وصراعات نفوذ مفتوحة، تجد أوروبا نفسها أمام مفترق طرق تاريخي، إما أن تبقى رهينة للمزاج السياسي الأمريكي وتقلباته، أو أن تخطو بثبات نحو استقلالها الاستراتيجي عبر بناء جيش أوروبي مشترك، وبين التهديدات الأمريكية، والطموحات الأوروبية، يبدو أن السؤال لم يعد هل تحتاج أوروبا إلى جيشها ؟ ، بل ، متى وكيف ستصنعه ! .