كثيرٌ من الرجال يخاطبون المرأة بأنها «طفلة»، وكأن الطفولة جريمة يجب الاعتذار عنها، أو نقصًا يستوجب الإصلاح، أو دليلًا على أنها أقل وعيًا أو أقل نضجًا من غيرها من النساء. وكأن المطلوب منها أن تتخلى عن جزءٍ أصيل من روحها، وأن «تعقل» وفق تعريفٍ جامد للنضج لا يعترف بالمشاعر ولا يقدّر الصدق. لكن الحقيقة مختلفة تمامًا.
الطفولة في المرأة ليست قلة فهم، بل صفاء نادر. ليست تهورًا، بل عفوية لم تُدنَّس. هي بقاء مساحة إنسانية لم تُفسدها الحسابات ولا تُطفئها خيبات الحياة. المرأة التي ما زالت تحتفظ بطفولتها لم تفشل في النضج، بل نجحت في ألا تتحول إلى نسخة قاسية من نفسها.
حين أحببتها، لم تكن حقيقتها خفية عليك.
طفولتها كانت واضحة في ضحكتها الصادقة، في دهشتها أمام التفاصيل الصغيرة، في قدرتها على الفرح بلا مقابل، والحزن بلا تمثيل. لم تكن بارعة في المراوغة، ولا ماهرة في إخفاء المشاعر، ولا خبيرة في الانسحاب قبل التعلّق. جاءت بقلب مفتوح، وروح لا تعرف الأقنعة.
أحببتَ طفلة… لا بمعناها الزمني، ولا بضعفها، بل بنقائها، وبقدرتها على أن تحب دون أن تحسب الخسارة مسبقًا.
أحببت امرأة لا تشبه النساء، فكيف يتحول هذا الاختلاف بعد ذلك إلى عتاب؟
كثيرون يخلطون بين الطفولة والسذاجة، وبين الرقة والهشاشة، وبين النضج والتصلّب. وكأن القوة لا تكتمل إلا بإنكار المشاعر، وكأن العقل لا يُثبت حضوره إلا ببرود القلب. لكن المرأة التي تحتفظ بطفولتها ليست امرأة غير مسؤولة، بل امرأة تعرف متى تكون قوية، ومتى تسمح لنفسها باللين، ومتى تحتاج إلى الأمان دون أن تخجل من ذلك.
عزيزي الرجل، لا تطلب منها أن تصبح مثل غيرها، ثم تَعيب عليها أنها لا تُشبههم. ولا تُحاول إعادة تشكيل روحها على مقاس تجاربك السابقة أو خيباتك القديمة. فالاستثناء لا يُقاس بالقواعد،
والقلوب النادرة لا تُدار بعقلية السوق. أنت اخترتها لأنها مختلفة، لأنها لم تتعلم القسوة، ولم تتقن البرود، ولم تُحوّل الحب إلى لعبة قوة.
فلا تجعل اختلافها عبئًا، ولا تحوّل ما جذبك يومًا إلى تهمة. الطفولة في المرأة ليست عيبًا،
إلا في عيون من فقدوا طفولتهم مبكرًا. وليست ضعفًا، إلا عند من يخشون الصدق. وليست عبئًا،
إلا على من لا يعرفون كيف يحتوي القلب قلبًا.
فإن لم تستطع احتواء هذا النوع من الأرواح، فلا تطلب منها أن تتغيّر كي تبقى.
اتركها كما هي… امرأة تحتفظ بطفولتها، امرأة ما زالت قادرة على الحب.