قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الشريف، إنه قد يتوهم بعض الناس التعارض بين نفاذ القدر والدعاء، فلا ينبغي للمسلم توهم التعارض بين نصوص الشرع الشريف.
فائدة الدعاء مع القضاء
وأضاف علي جمعة، في منشور له، أن الشرع جاء بحتمية الإيمان بالقدر، وجاء بالحث على الدعاء، وذلك لأن الدعاء عبادة لها أثرها العظيم، والقضاء أحد أركان الإيمان.
وتابع: وسيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع الدعاء قط, فكم رفعت محنة بالدعاء, وكم من مصيبة أو كارثة كشفها الله بالدعاء، ومن ترك الدعاء فقد سد على نفسه أبوابا كثيرة من الخير.
وقد قال الغزالي في هذا الشأن: "فإن قلت: فما فائدة الدعاء والقضاء لا مرد له؟ فاعلم أن من القضاء رد البلاء بالدعاء, فالدعاء سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة, كما أن الترس سبب لرد السهام, والماء سبب لخروج النبات من الأرض, فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان, فكذلك الدعاء والبلاء يتعالجان". وليس من شرط الاعتراف بقضاء الله تعالى ألا يحمل السلاح.
من ناحية أخرى قال الدكتور علي جمعة عبر صفحته الرسمية على فيس بوك إن ليلة النصف من شعبان، هي الليلة التي وجَّه الله فيها وجوهنا من بيتِ المقدس إلى البيتِ الحرامِ بمكة، كما يبرز فيها بيتُ المقدس وكأنه محورُ حياةِ المسلمين، وبدايةُ مواسمهم ونهايتها. هذا هو الدين؛ فأين المفر؟ هذه هي الحقيقة؛ فكيف التألِّي على الله؟
ونوه ان في هذه الآيات البيِّنات التي وجَّه فيها رسولُ الله ﷺ المسلمين إلى البيت الحرام، ذكر لنا الله سبحانه وتعالى بيانًا شافيًا فيما نحن فيه الآن، وكأن القرآن قد نزل غضًّا طريًّا على أمة المسلمين! نتلو الآيات، ونأخذ منها العبرة، ونقف عند القضايا، ونوجِّه أنفسنا في منهج حياتنا وبرنامج يومنا طبقًا لها؛ فهذا هو الذي يُرضي اللهَ ورسولَه ويُرضي المؤمنين.
التمسك بالدعاء
وتابع: يقول ربنا سبحانه وتعالى لأشرف خلقه ﷺ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}. النبي ﷺ يدعو؛ فلابدَّ عليك أيها المؤمن أن تتمسَّك بالدعاء، وعُدَّ على أصابع يديك مراتٍ ومرات؛ فهذا هو البرنامج الذي أراده الله للمؤمن. ودعك من أقاويل المفسدين، ومن تثبيط المثبِّطين، ومن فلسفة المتفلسفين. انظر ماذا يريد ربُّك منك: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ}؛ فهو يدعو ويُلِحُّ في الدعاء.
وأشار إلى أن يوم بدر، أخذ ﷺ يدعو حتى أشفق عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وقال له: "كفاك يا رسول الله مناشدتك ربك؛ فإنه سيستجيب لك"، وكأنه قد غاب عن الأكوان، وأصبح قلبه ﷺ لا يراها، وانفتح باب الحق، وانغلق باب الخلق. فأخذ يدعو، ولم يستجب لمناشدة أبي بكر؛ فنصر الله القِلَّةَ القليلة على الكثرة الفاجرة الكافرة، وأظهر الله عجائب قدرته، وولّى الكافرون فرارًا. ولم يكن هذا مجرد حادث، ولم تكن مجرد غزوة؛ وإنما كانت تأسيسًا لمبدأ رباني مع المؤمنين، وكان عهدًا بين المسلمين وبين ربهم: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.
{قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} لم يدعُ مرةً أو مرتين؛ بل قلَّب وجهه في السماء قبلةَ الدعاء، ومدَّ يده حتى ظهر بياضُ إبطيه ﷺ، وبياضُ الإبطين لا يبدو إلا مع المبالغة في رفع اليد؛ وكأنه يستغيث بربٍّ كريم: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}، يؤكد ذلك بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}. وهو حكمٌ يأمرنا جميعًا بأن نولي وجوهنا شطرَ المسجد الحرام، وكأن الله لا يترك فرصةً إلا ويأمرنا فيها بالاتحاد.


