كشف اللواء عصام النجار، رئيس الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، عن تحركات مكثفة تقودها الهيئة لمساندة المصدرين المصريين في مواجهة التحديات الناتجة عن التشريعات البيئية الجديدة للاتحاد الأوروبي.
وأكد النجار خلال ورشة عمل " حول الاستجابة لمتطلبات التحول الأخضر في صادرات قطاع الصناعات الكيمائية " أن الهيئة تضع كافة إمكانياتها لتذليل العقبات أمام نفاذ الصادرات المصرية، معتبراً أن نجاح المصدر المصري هو "قاطرة التنمية" للاقتصاد القومي.
وأوضح أن الهدف من هذا التحرك هو حماية أموال المصدرين ، وتجنب لسداد مبالغ طائلة (تصل إلى 70 ألف يورو) لجهات أجنبية دون ضمان قبولها وتوطين الاعتمادات و السعي لاعتماد التقارير الصادرة من الجهات المصرية لتكون مقبولة لدى الاتحاد الأوروبي، مما يوفر الوقت والتكلفة على الشركات الوطنية.
وأعلن النجار صدور قرار وزاري هام (رقم 33 لسنة 2025) بشأن تنظيم إجراءات رفع تقارير "البصمة الكربونية" والانبعاثات للسلع المصدرة إلى الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن الإجراءات تتسم بالمرونة التامة بدون رسوم إضافية حيث لم يتضمن القرار أي أعباء مالية أو رسوم فحص نوعي ، و يمكن للمصدرين رفع التقارير التي تم تقديمها للمستورد الأوروبي (باللغة الإنجليزية) مباشرة عبر الموقع الإلكتروني للهيئة.
وأوضح النجار أن هذه الخطوة تهدف إلى بناء قاعدة بيانات دقيقة للدولة المصرية حول الانبعاثات الكربونية، لتعزيز موقفها في المفاوضات الدولية.
وشدد على أن الهيئة تعمل بروح الشراكة مع القطاع الخاص، قائلاً: "نحن نستمع للصناع والمصدرين لتطوير رؤيتنا للعام القادم، فالقطاع الخاص هو قاطرة النمو وهو الأقدر على تحديد احتياجات السوق العالمي". وأكد أن الهيئة جاهزة تماماً لرد جزء من الأعباء عن المصدرين عبر توفير الدعم الفني اللازم للامتثال للمعايير البيئية الدولية.
وتابع: هدفنا هو ضمان استمرارية تدفق الصادرات المصرية لأسواق الاتحاد الأوروبي دون عوائق، وتحويل التحديات البيئية إلى ميزة تنافسية للمنتج المصري عبر الالتزام الدقيق بالاشتراطات العالمية."
من جانبه أكد محمد مجيد، المدير التنفيذي للمجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة، أن توجه الشركات المصرية نحو التوافق مع الاشتراطات البيئية والمعايير الدولية للتحول الأخضر لم يعد مجرد خيار، بل هو استثمار استراتيجي طويل الأمد يضمن استدامة الصادرات المصرية ويعزز من ميزتها التنافسية في الأسواق الخارجية، لا سيما السوقين الأوروبي والمغربي.
وأوضح مجيد أن الهدف الأساسي من الفعاليات التي ينظمها المجلس هو توعية وتأهيل المصنعين المصريين للتعامل مع المتطلبات والتشريعات الجديدة التي تفرضها الأسواق الدولية، مشيراً إلى أن التوافق مع هذه المعايير يحقق مكاسب ملموسة للشركات، أهمها:
فتح أسواق جديدة ورفع القدرة على النفاذ لأسواق تضع اشتراطات بيئية صارمة.
الحفاظ على الميزة النسبية وحماية حصص الصادرات المصرية أمام المنافسين الدوليين.
دعم حكومي وحوافز مرتقبة
وكشف المدير التنفيذي للمجلس التصديري عن وجود تنسيق مستمر مع جهات صنع القرار لتوفير حزم تحفيزية وتمويلية لدعم الشركات في رحلتها نحو التحول الأخضر، مشيداً بالتعاون المثمر مع الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات لتسهيل إجراءات الحصول على الشهادات والاعتمادات الدولية المطلوبة، مثل شهادة "اليوروميد" وتطوراتها الأخيرة.
وأضاف: “هناك شركات مصرية رائدة بدأت بالفعل خطوات استباقية ونجحت في تحقيق مستهدفاتها البيئية، وانه جاري العمل حالياً على اعتماد تقارير هذه الشركات من الجهات الرسمية لتكون بمثابة نموذج يحتذى به، ولتأكيد دقة المعلومات والبيانات الخاصة بالانبعاثات الكربونية وغيرها من المعايير.”
وأكد أن ورشة العمل ستخرج بتوصيات ونتائج عملية سيتم عرضها على متخذي القرار، بهدف توفير الدعم الفني والمالي اللازم للمصانع، لضمان استمرار ريادة قطاع الصناعات الكيماوية والأسمدة كواحد من أهم القطاعات التصديرية في الاقتصاد المصري.
في سياق متصل، أكدت شيرين، مدير العلاقات الحكومية والسياسات العامة بشركة "LYNX" الاستشارية (التي كُلفت من قبل GIZ لإدارة المشروع)، أن النجاح في التحول الأخضر لا يتوقف عند الشركات الكبرى المصدرة فقط. وأشارت إلى ضرورة وعي الشركات الكبرى بأن قدرتها على التوافق الدولي تعتمد بشكل جذري على التزام "الموردين" والشركات الصغيرة والمتوسطة داخل سلاسل التوريد الخاصة بها.
وأوضحت أن الورشة تهدف لرصد التحديات الواقعية التي تواجه المصانع لنقلها إلى مشروع (GIZ)، الذي يعمل على ثلاثة محاور: تقديم الخدمات الفنية، التمويل، والابتكار.
وكشفت دينا عبد العزيز، ممثلة برنامج الابتكار في القطاع الخاص (PSI II) المُنفذ من قبل الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، عن استراتيجية المشروع لدعم الشركات المصرية في رحلة التحول الأخضر، مؤكدة أن البرنامج يتبنى منهجاً شاملاً يربط بين تقديم الدعم الفني وتوفير الحلول التمويلية اللازمة للامتثال للمعايير الدولية.
وأوضحت عبد العزيز، أن مشروع (PSI) يعمل من خلال أربع إدارات (مكونات) رئيسية تهدف إلى سد الفجوات التي تعيق المصدرين المصريين عن التوافق مع متطلبات الأسواق العالمية، لا سيما السوق الأوروبي وهي
• تطوير السياسات والإجراءات من خلال العمل على رصد المعوقات الفنية والإجرائية وصياغة حلول تنفيذية بالتنسيق مع الجهات الحكومية لضمان تطابق المنتج المصري مع المعايير الدولية.
• التمويل الأخضر: التعاون مع المؤسسات المالية (البنكية وغير البنكية) لتوفير قنوات تمويلية ميسرة تساعد المصانع على الاستثمار في تكنولوجيا الإنتاج النظيف.
• مقدمو الخدمات والاعتمادات: تأهيل الهيئات ومقدمي الخدمات في مصر (سواء القطاع العام أو الخاص) لتقديم شهادات الاعتماد والتدريبات المطلوبة محلياً بدلاً من الاعتماد الكلي على جهات خارجية.
• دعم الشركات الناشئة (Startups): دمج الابتكارات الجديدة في منظومة الإنتاج الأخضر لضمان استدامة وتطور القطاع الصناعي.
وشددت على أن مفهوم التحول الأخضر لا يقتصر فقط على المصانع الكبيرة المصدرة، بل يمتد ليشمل "سلاسل التوريد" بالكامل. وأشارت إلى أن المشروع يولي أهمية كبرى لتأهيل الموردين الصغار والمتوسطين، حيث أن جودة وتوافق المنتج النهائي تعتمد بشكل مباشر على استدامة المدخلات التي يوفرها هؤلاء الموردون.
وأكدت أن الهدف من اللقاءات المباشرة مع المصنعين هو الاستماع لمطالبهم ورصد "الفجوات" الحقيقية على أرض الواقع. وقالت: "نحن نسعى لتحويل هذه التحديات إلى إجراءات ومعايير تنفيذية تتبناها الحكومة المصرية، بالتعاون مع المجلس التصديري، لضمان استدامة نمو الصادرات وفتح آفاق جديدة للمنتج المصري في الخارج
وقال محمد الوزير، استشارى سياسات التجارة الدولية بشركة "لينكس بيزنس ادفايزورس للاستشارات " LYNX ، بأن الوعي البيئي العالمي المتنامي أدى إلى فرض تشريعات صارمة تجعل من الامتثال للمتطلبات البيئية شرطاً أساسياً لعبور الحدود والوصول إلى الأسواق الدولية . وأوضح أن المشهد التشريعي الحالي يتسم بالتعقيد ولكنه يتبع منهجيات ذكية ومدروسة، خاصة في السوق الأوروبي.
وأشار الوزير إلى أن الاتحاد الأوروبي يتبع "أسلوباً ذكياً" في فرض تشريعاته؛ حيث يبدأ بجمع المعلومات وإجراء استشارات مكثفة مع الشركاء والبلدان التي يتعامل معها قبل صياغة القوانين . وأكد أن هذه التشريعات تنفذ على مراحل، مع وجود مرونة في تعديل الخطط أو المواعيد النهائيةبناءً على النتائج والبيانات المحللة . كما لفت إلى أن السوق البريطاني (UK) لا يزال يشابه الاتحاد الأوروبي إلى حد كبير، إلا أنه يتميز بمرونة أكبر؛ حيث قد يسمح بتجاوز بعض الحدود مقابل دفع رسوم أعلى، بدلاً من المنع التام وفي استعراضه للأسواق الأخرى، وصف الوزير السوق الأمريكي بأنه "سوق مجزأ"؛ حيث لا توجد تشريعات موحدة قوية على مستوى الدولة، بل تضع كل ولاية تشريعاتها الخاصة، وتعتبر ولاية كاليفورنيا هي الأصعب والأعلى في المتطلبات البيئية. أما بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فأوضح أن التركيز لا يزال منصباً على "معايير الجودة" والشهادات المطابقة للمواصفات، مع ملاحظة توجه دول الخليج مؤخراً نحو تبني النهج الأوروبي .
وسلط الوزير الضوء على تحول جوهري في الرؤية الأوروبية، فهي لا تكتفي بفحص جودة المنتج النهائي، بل تراقب "كيفية تصنيع المنتج ومدى الضرر البيئي أو الانبعاثات الناتجة في بلد المنشأ . وأوضح أن "آلية تعديل حدود الكربون" (CBAM) جاءت لضمان المساواة بين المصنعين داخل الاتحاد الأوروبي (الذين يدفعون رسوم انبعاثات منذ بداية الألفينات عبر نظام ETS) وبين المصدرين من الخارج .
وأكد أن المستورد في الاتحاد الأوروبي هو من يتحمل تكلفة هذه الرسوم، بناءً على البيانات التي تسجلها الشركات المصدرة على بورتال مخصص لذلك . كما حذر من أن سقف الانبعاثات المسموح به سينخفض تدريجياً، وبحلول عام 2034، سيصبح دفع الرسوم لزاماً على أي انبعاثات كربونية ناتجة مهما كانت ضئيلة.
واستعرض الوزير مراحل تطور التشريعات البيئية التي بدأت بسلامة المنتج، ثم إدارة مخلفات التغليف والبلاستيك، وصولاً إلى مراقبة الانبعاثات وسلاسل الإمداد . وأشار إلى أن هذا التأثير لا يقتصر على المصدرين فقط، بل يمتد للسوق المحلي؛ حيث بدأت الشركات العالمية الكبرى في مصر تطلب من مورديها بيانات عن البصمة الكربونية والمحتوى المعاد تدويره، وذلك التزاماً بسياسات شركاتهم الأم والضغوط التشريعية في بلادهم الأصلية .
وأوضح الوزير أن قياس الانبعاثات الكربونية يعتمد على ثلاثة مستويات أساسية يجب على المصنعين استيعابها:
• المستوى الأول وهي الانبعاثات المباشرة الناتجة من داخل حدود المصنع نتيجة العمليات الإنتاجية.
• المستوى الثاني وهي الانبعاثات الناتجة عن مصادر الطاقة والوقود والكهرباء التي يشتريها المصنع من الخارج، وهو تحدٍ يواجه مصر حالياً نظراً لعدم وجود قياسات محددة للشبكة الوطنية للكهرباء حتى الآن.
• المستوى الثالث وهي الانبعاثات غير المباشرة المرتبطة بسلاسل التوريد (المواد الخام قبل وصولها للمصنع) وعمليات التوزيع والنقل للمنتج النهائي.
وحذر الوزير من أن بدء تطبيق القياسات الإلزامية في عام 2026 سيجعل المستورد الأوروبي يقارن بين المنتجات بناءً على حجم "الضريبة الكربونية" المفروضة عليها. وضرب مثالاً توضيحياً: "إذا كانت انبعاثات مصنع مصري أعلى من مصنع في دولة منافسة (مثل تونس)، فإن المستورد الأوروبي سيدفع ضريبة أقل على المنتج التونسي، مما يجعل المحصلة النهائية تكلفة أقل للمنتج المنافس حتى وإن كان سعر المنتج المصري الأصلي أرخص".
وأشار الوزير أن الفترة من 2023 إلى 2025 مرحلة "تقدير طوعي"، حيث يمكن للشركات تقديم تقاريرها ذاتياً، ولكن بداية من 2026سيصبح "التحقق" من التقارير من قبل جهات معتمدة لدى الاتحاد الأوروبي أمراً إلزامياً.
و في حال عدم تقديم تقرير موثق، قال انه سيلجأ الاتحاد الأوروبي لفرض "تقديرات افتراضية" قد تكون أضعاف الانبعاثات الحقيقية للمصنع، مما يرفع تكلفة المنتج المصري بشكل كبير ويضعف قدرته على النفاذ للسوق.
التوصية بالتحرك الاستباقي
وأكد الوزير ضرورة مسارعة الشركات المصرية في البدء بقياس انبعاثاتها بشكل دقيق واعتمادها من جهات موثوقة، لتجنب فرض غرامات أو ضرائب كربونية مرتفعة، مؤكداً أن الهدف هو حماية المنتج المصري من فقدان ميزته السعرية أمام المنافسين الدوليين
أن هذا المسار التشريعي العالمي "متوقع" وله أهداف واضحة لسنوات قادمة، مما يتطلب من الشركات الاستعداد الجيد لتقليل بصمتها الكربونية لضمان تنافسيتها في المستقبل
واستعرض محمد الوزير ضريبة الكربون الأوروبية (CBAM)، موضحاً أنها تفرض تكاليف إضافية قد تنعكس على المستهلك النهائي وتؤدي لزيادة الأسعار .
وأشار الوزير إلى أن هذه الضريبة تركز بشكل أساسي على الأسمدة كثيفة الانبعاثات، خاصة تلك التي تحتوي على النيتروجين والأمونيا ومشتقاتها . وفي المقابل، طمأن المصدرين بأن الأسمدة الفوسفاتية، والعضوية، والحيوية، والمخلوطة لا تزال خارج نطاق تطبيق هذه الضريبة حتى الآن .
وتطرق الوزير إلى تشريعات "REACH" و"CLP" المتعلقة بتصنيف وتوسيم المواد الكيماوية الخطرة، مؤكداً ضرورة متابعة المصدرين للقوائم المحدثة دورياً لضمان مطابقة منتجاتهم للمعايير الأوروبية كما تناول التشريع الجديد الخاص بالتغليف ونفايات التغليف الذي سيبدأ تنفيذه في 2025، ويهدف إلى تقليل مخلفات البلاستيك وزيادة مستويات إعادة التدوير .
وأوضح أن الاتحاد الأوروبي يسعى لرفع نسبة المحتوى المعاد تدويره في العبوات البلاستيكية إلى 30% بحلول عام 2028، وإلى 50% بحلول عام 2035.
من جانبها، أكدت د.يسرا عبد العزيز وزارة البيئة على جدية الوضع، مشيرة إلى وجود توجه في البرلمان الأوروبي لزيادة القيود البيئية لتصل نسبة المواد المعاد تدويرها في التغليف إلى 70% مستقبلاً وكشفت عن جهود الوزارة في التعامل مع تحديات جمع وتدوير البلاستيك في مصر، خاصة في ظل وجود قطاع غير رسمي يعمل بكفاءة عالية، حيث تسعى الوزارة لدمجه وتحويله إلى قطاع رسمي ضمن منظومة المسؤولية الممتدة للمنتج (EPR) .
وأوضحت أن مصر تستهدف تقليل نصيب الفرد إلى 50 كيساً سنوياً بحلول عام 2030، مقارنة بالمستهدف الحالي البالغ 100 كيس . وشددت على أهمية الوعي والجاهزية قبل تحول هذه المتطلبات إلى التزامات دولية مفروضة، مؤكدة أن المبالغ التي تُدفع في هذا الإطار ليست ضرائب بل هي "مقابل" لتطوير القدرات البيئية .
وأكدت على ضرورة تكاتف الجهود بين الوزارات والقطاع الخاص لمواكبة هذه المتغيرات المتسارعة في السوق الأوروبي، وضمان تنافسية المنتج المصري عالمياً.