ودعت اليابان في 27 يناير الماضي آخر دبي باندا عملاقين لديها، التوأمين "شياو شياو" و"لي لي"، بعد إعادتهما إلى الصين، لتصبح طوكيو للمرة الأولى منذ عام 1972 من دون أي دببة باندا، وهو العام الذي شهد تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وتعد ما يعرف بـ"دبلوماسية الباندا" إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة الصينية، إذ دأبت بكين على إهداء أو إعارة دببة الباندا – التي لا تعيش في البرية إلا داخل الصين – إلى دول أخرى بهدف تعزيز العلاقات الثنائية وتحسين صورتها الدولية. وعلى مدار نحو خمسة عقود، أرسل أكثر من 30 دباً إلى اليابان أو ولدوا فيها ضمن هذا الإطار.
غير أن التوترات السياسية الحالية بين طوكيو وبكين ألقت بظلالها على هذا الملف الرمزي. فقد أثارت تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية سانايه تاكاييتشي في نوفمبر الماضي، والتي ألمحت فيها إلى إمكانية رد عسكري ياباني على أي هجوم صيني محتمل على تايوان، ردود فعل غاضبة في بكين.
وبعد ذلك بوقت قصير، أعلنت الصين استدعاء دبي الباندا من حديقة "أوينو" في طوكيو قبل شهر من الموعد المقرر، فيما جُمّدت المفاوضات التي كانت جارية لتمديد إقامتهما أو استبدالهما بدببة أخرى.
وتعود جذور دبلوماسية الباندا إلى القرن السابع الميلادي، عندما أهدت الإمبراطورة وو تسه تيان دبّين إلى اليابان كبادرة حسن نية. إلا أن النسخة الحديثة من هذه السياسة ارتبطت بسبعينيات القرن الماضي، حين بدأت الصين، في سياق انفتاحها الدولي، بإهداء دببة باندا إلى عدد من القوى الاقتصادية الكبرى، بينها الولايات المتحدة واليابان عام 1972، ثم فرنسا عام 1973، والمملكة المتحدة عام 1974.
لكن مع تراجع أعداد الباندا في البرية، أوقفت الصين سياسة "الإهداء" عام 1984، واستعاضت عنها بنظام الإعارة طويلة الأجل، الذي قد يمتد إلى 15 عاماً، مقابل ما يصل إلى مليون دولار سنوياً تدفعها الدول المضيفة تحت بند "رسوم الحفظ البيئي".
وبلغت دبلوماسية الباندا ذروتها عام 2019، حين استضافت 21 دولة أو إقليماً خارج الصين – باستثناء ماكاو وهونغ كونغ – دببة باندا، من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وروسيا وأستراليا وسنغافورة وكندا واليابان. غير أن هذا العدد تراجع حالياً إلى 16 دولة.
حساسية وطنية وضغوط داخلية
يمثل الباندا بالنسبة لكثير من الصينيين "كنزاً وطنياً" يحمل دلالات رمزية عميقة، ما يجعل أي جدل يتعلق برعايته في الخارج قضية حساسة داخلياً. ففي عام 2023، أثار نفوق دب الباندا "ليه لي" في حديقة حيوانات ممفيس الأمريكية، وظهور صور لرفيقته "يا يا" وهي تبدو هزيلة، موجة انتقادات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، حيث اتهم بعض المستخدمين الولايات المتحدة بسوء المعاملة، بل واتهموا السلطات الصينية بالتواطؤ في التغطية على الحادث.
ورغم تأكيد وزارة الخارجية الصينية آنذاك أن الدبّين كانا يحظيان برعاية جيدة، لم يُمدد عقد "يا يا"، ما عكس حساسية الملف داخلياً.
ويرى مراقبون أن الرغبة في تجنب ردود فعل قومية مماثلة ربما ساهمت في قرار بكين استدعاء دبّي الباندا من اليابان قبل الموعد المحدد، في ظل تصاعد التوتر السياسي بين البلدين، إذ سيكون من الصعب تبرير استمرار وجود رموز وطنية عزيزة في دولة ينظر إليها قطاع من الرأي العام الصيني باعتبارها خصماً متشدداً.
قوة ناعمة بحدود واضحة
ورغم ذلك، لا تزال دبلوماسية الباندا أداة فعالة للقوة الناعمة الصينية. فقد استقطبت حديقة "أوينو" نحو 178 ألف زائر خلال الشهر الذي أعقب الإعلان عن إعادة التوأمين إلى الصين، ما اضطر إدارة الحديقة إلى تحديد عدد الزوار في منطقة مشاهدة الباندا عند 4800 شخص يومياً، مع تقليص مدة الزيارة إلى دقيقة واحدة لكل شخص.
إلا أن استخدام الباندا كأداة دبلوماسية يواجه أيضاً انتقادات من منظمات حماية الحيوان وخبراء البيئة، الذين يرون أن هذه الحيوانات تُستخدم كورقة في لعبة جيوسياسية، ويتساءلون عن مدى إسهام نظام الإعارة فعلياً في جهود الحفظ، رغم ملايين الدولارات التي تدفعها حدائق الحيوان الأجنبية سنوياً للصين، في وقت لا يزال فيه الباندا مدرجاً على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة ضمن فئة “المعرض للخطر”.