بدا الكوكب الأحمر “ المريخ” وكأنه مغامرة صعبة لكنها قابلة للتحقيق، صحراء قاسية يتحدى فيها البشر الطبيعة بالإبداع والعلم، خاصة بعد العديد من الاعمال السينمائية التى تناولت المريخ.
لكن خلف الصورة السينمائية الملهمة، يكمن واقع علمي أكثر تعقيدًا بل وأكثر خطورة قد يبتلع أحلام البشر قبل أن يمنحهم موطئ قدم.
بيئة قاتلة لماذا لا يصلح المريخ للحياة ببساطة؟
الغلاف الجوي للمريخ رقيق للغاية، ويتكون بنسبة 95% من ثاني أكسيد الكربون، ما يعني غياب الأكسجين والضغط المناسبين للتنفس.
درجات الحرارة قد تهبط ليلًا إلى 87 درجة مئوية تحت الصفر، فيما تتعرض السطح لإشعاعات شمسية وكونية مكثفة لغياب المجال المغناطيسي الواقي.
يؤكد الدكتور جيفري بينيت، مؤسس "Big Kid Science"، أن بناء بيئة صالحة للعيش على المريخ يشبه إنشاء مدينة تحت الماء أو محطة فضاء مغلقة بالكامل؛ إذ يتطلب موارد هائلة وتقنيات غير مسبوقة لضبط الضغط والحرارة وتوفير الهواء.
الحل الأكثر واقعية؟ العيش تحت السطح أو داخل أنفاق الحمم البركانية التي توفر حماية طبيعية من الإشعاع، بدل المجازفة بالبقاء فوق سطح مكشوف.
الجاذبية المنخفضة ميزة سينمائية ومخاطر صحية
في فيلم John Carter بدا القفز على المريخ أشبه بقدرة خارقة
لكن علميا، جاذبية المريخ تعادل 38% فقط من جاذبية الأرض.
هذا الانخفاض قد يؤدي إلى فقدان كثافة العظام وضمور العضلات، إضافة إلى تغيرات في الجهاز القلبي والوعائي والأسئلة الأصعب تتعلق بالأجيال القادمة كيف سينمو الأطفال في هذه البيئة؟ لا توجد حتى الآن بيانات طويلة الأمد للإجابة.
الهواء والماء معركة التكنولوجيا للبقاء
في محطة الفضاء الدولية تُستخدم تقنيات التحليل الكهربائي لإنتاج الأكسجين من الماء وعلى المريخ، أثبتت تجربة جهاز Perseverance نجاح إنتاج كميات محدودة من الأكسجين عبر تجربة MOXIE.
لكن التحدي يكمن في أن مياه المريخ غالبًا متجمدة أو مختلطة بمواد سامة مثل البيركلورات، ما يتطلب تقنيات تنقية متقدمة قبل استخدامها والجانب المشرق أن التفاعلات الكيميائية اللازمة قد تنتج أيضًا وقودًا صاروخيًا ما يجعل الاستيطان أكثر استدامة نظريًا.
الزراعة فوق تراب سام
تربة المريخ (الريغوليث) غنية بالمعادن لكنها ملوثة بمواد سامة
الحلول المطروحة تشمل الزراعة المائية (Hydroponics) والزراعة الهوائية (Aeroponics)، إضافة إلى استخدام الطحالب الزرقاء في بيئات محمية.
تجارب العزلة الطويلة مثل مشروع Mars 500 أظهرت أن الزراعة ليست مصدر غذاء فحسب، بل عنصرًا أساسيًا لدعم الصحة النفسية وتقليل الشعور بالعزلة.
مساكن المريخ بين الكهوف والطباعة ثلاثية الأبعاد
أمام المستوطنين خياران إما بناء مساكن باستخدام مواد مستخرجة من التربة عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد، أو استغلال الكهوف البركانية الطبيعية.
أبحاث في University of Manchester طورت مادة "StarCrete" لمحاكاة البناء في بيئة مريخية، بينما تظل الكهوف خيارا جذابا بشرط ضمان استقرارها هندسيًا.
الرحلة الطويلة اختبار الجسد والعقل
الوصول إلى المريخ قد يستغرق بين 6 و9 أشهر في اتجاه واحد، مع تأخر في الاتصالات يصل إلى 22 دقيقة.
دراسة التوأم كيلي التي أجرتها NASA على رائدي الفضاء Scott Kelly وMark Kelly كشفت تغيرات جينية ومناعية نتيجة البقاء الطويل في الفضاء مؤشرات مهمة لتخطيط الرعاية الصحية في بعثات المريخ.
أما نفسيا، فالعزلة والروتين والفراغ البصري قد تشكل تحديا لا يقل خطورة عن الإشعاع.
سباق نحو الكوكب الأحمر
تقود شركة SpaceX بقيادة Elon Musk مشاريع طموحة مثل مركبة Starship، فيما تعمل الحكومات عبر برامج مثل Artemis 3 لتطوير التقنيات اللازمة للعودة إلى القمر تمهيدًا للمريخ.
وتشارك وكالات كـ European Space Agency في دعم الأبحاث حول التكيف البشري مع البيئات القاسية.
الأهداف لا تقتصر على الاستيطان؛ بل تشمل البحث عن حياة سابقة، ودراسة الأرض من منظور جديد، وربما بناء اقتصاد فضائي يعتمد على الطاقة الشمسية والموارد المحلية.
بين الطموح والمخاطرة
المريخ ليس مجرد حلم رومانسي أو مشروع استعراضي، إنه تحدي وجودي يتطلب ثورة تكنولوجية كاملة، قد يكون بوابة للبشرية نحو مستقبل متعدد الكواكب، أو درسا قاسيا في حدود قدرتنا على تحدي الطبيعة.



